You are reading tafsir of 3 ayahs: 69:25 to 69:27.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ لَمّا نَظَرَ في كِتابِهِ وتَذَكَّرَ قَبائِحَ أفْعالِهِ خَجَلَ مِنها، وصارَ العَذابُ الحاصِلُ مِن تِلْكَ الخَجالَةِ أزْيَدَ مِن عَذابِ النّارِ، فَقالَ: لَيْتَهم عَذَّبُونِي بِالنّارِ، وما عَرَضُوا هَذا الكِتابَ الَّذِي ذَكَّرَنِي قَبائِحَ أفْعالِي حَتّى لا أقَعَ في هَذِهِ الخَجالَةِ، وهَذا يُنَبِّهُكَ عَلى أنَّ العَذابَ الرُّوحانِيَّ أشَدُّ مِنَ العَذابِ الجُسْمانِيِّ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ أيْ: ولَمْ أدْرِ أيَّ شَيْءٍ حِسابِيَهْ؛ لِأنَّهُ حاصِلٌ ولا طائِلَ لَهُ في ذَلِكَ الحِسابِ، وإنَّما كُلُّهُ عَلَيْهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿يالَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ الضَّمِيرُ في ”يا لَيْتَها“ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ وجْهانِ:الأوَّلُ: إلى المَوْتَةِ الأُولى، وهي وإنْ لَمْ تَكُنْ مَذْكُورَةً إلّا أنَّها لِظُهُورِها كانَتْ كالمَذْكُورَةِ و”القاضِيَةَ“ القاطِعَةُ عَنِ الحَياةِ. وفِيها إشارَةٌ إلى الِانْتِهاءِ والفَراغِ، قالَ تَعالى: ﴿فَإذا قُضِيَتِ﴾ [الجُمُعَةِ: ١٠] ويُقالُ: قُضِيَ عَلى فُلانٍ، أيْ ماتَ فالمَعْنى يا لَيْتَ المَوْتَةَ الَّتِي مِتُّها كانَتِ القاطِعَةَ لِأمْرِي، فَلَمْ أُبْعَثْ بَعْدَها، ولَمْ ألْقَ ما وصَلْتُ إلَيْهِ، قالَ قَتادَةُ: تَمَنّى المَوْتَ ولَمْ يَكُنْ في الدُّنْيا عِنْدَهُ شَيْءٌ أكْرَهُ مِنَ المَوْتِ، وشَرٌّ مِنَ المَوْتِ ما يُطْلَبُ لَهُ المَوْتُ، قالَ الشّاعِرُ:
وشَرٌّ مِنَ المَوْتِ الَّذِي إنْ لَقِيتَهُ تَمَنَّيْتَ مِنهُ المَوْتَ والمَوْتُ أعْظَمُ
والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى الحالَةِ الَّتِي شاهَدَها عِنْدَ مُطالَعَةِ الكِتابِ، والمَعْنى: يا لَيْتَ هَذِهِ الحالَةَ كانَتِ المَوْتَةَ الَّتِي قَضَتْ عَلَيَّ؛ لِأنَّهُ رَأى تِلْكَ الحالَةَ أبْشَعَ وأمَرَّ مِمّا ذاقَهُ مِن مَرارَةِ المَوْتِ وشِدَّتِهِ فَتَمَنّاهُ عِنْدَها.