You are reading tafsir of 4 ayahs: 74:13 to 74:16.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَنِينَ شُهُودًا﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: بَنِينَ حُضُورًا مَعَهُ بِمَكَّةَ لا يُفارِقُونَهُ البَتَّةَ؛ لِأنَّهم كانُوا أغْنِياءَ، فَما كانُوا مُحْتاجِينَ إلى مُفارَقَتِهِ لِطَلَبِ كَسْبٍ ومَعِيشَةٍ، وكانَ هو مُسْتَأْنِسًا بِهِمْ طَيِّبَ القَلْبِ بِسَبَبِ حُضُورِهِمْ.
والثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن كَوْنِهِمْ شُهُودًا أنَّهم رِجالٌ يَشْهَدُونَ مَعَهُ المَجامِعَ والمَحافِلَ، وعَنْ مُجاهِدٍ: كانُوا عَشَرَةً، وقِيلَ: سَبْعَةٌ كُلُّهم رِجالٌ: الوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ، وخالِدٌ، وعِمارَةُ، وهِشامٌ، والعاصُ، وقَيْسٌ، وعَبْدُ
صفحة ١٧٦
شَمْسٍ، أسْلَمَ مِنهم ثَلاثَةٌ: خالِدٌ، وعِمارَةُ، وهِشامٌ.قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أيْ: وبَسَطْتُ لَهُ الجاهَ العَرِيضَ والرِّياسَةَ في قَوْمِهِ، فَأتْمَمْتُ عَلَيْهِ نِعْمَتَيِ المالِ والجاهِ، واجْتِماعُهُما هو الكَمالُ عِنْدَ أهْلِ الدُّنْيا، ولِهَذا المَعْنى يُدْعى بِهَذا، فَيُقالُ: أدامَ اللَّهُ تَمْهِيدَهُ، أيْ: بَسْطَتَهُ وتَصَرُّفَهُ في الأُمُورِ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن جَعَلَ هَذا التَّمْهِيدَ البَسْطَةَ في العَيْشِ وطُولَ العُمُرِ، وكانَ الوَلِيدُ مِن أكابِرِ قُرَيْشٍ، ولِذَلِكَ لُقِّبَ الوَحِيدَ ورَيْحانَةَ قُرَيْشٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ لَفْظُ ”ثُمَّ“ هَهُنا مَعْناهُ التَّعَجُّبُ كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ: أنْزَلْتُكَ دارِي وأطْعَمْتُكَ وأسْقَيْتُكَ ثُمَّ أنْتَ تَشْتُمُنِي، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [ الأنْعامِ: ١] فَمَعْنى ”ثُمَّ“ هَهُنا لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ، ثُمَّ تِلْكَ الزِّيادَةُ الَّتِي كانَ يَطْمَعُ فِيها هَلْ هي زِيادَةٌ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ ؟ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: ثُمَّ يَرْجُو أنْ أزِيدَ في مالِهِ ووَلَدِهِ وقَدْ كَفَرَ بِي.
الثّانِي: أنَّ تِلْكَ الزِّيادَةَ في الآخِرَةِ، قِيلَ: إنَّهُ كانَ يَقُولُ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَما خُلِقَتِ الجَنَّةُ إلّا لِي، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ [ مَرْيَمَ: ٧٧]
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَلّا﴾ وهو رَدْعٌ لَهُ عَنْ ذَلِكَ الطَّمَعِ الفاسِدِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: ولَمْ يَزَلِ الوَلِيدُ في نُقْصانَ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿كَلّا﴾ حَتّى افْتَقَرَ وماتَ فَقِيرًا.قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا﴾ إنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ عَلى وجْهِ الِاسْتِئْنافِ؛ كَأنَّ قائِلًا قالَ: لِمَ لا يُزادُ ؟ فَقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا. والعَنِيدُ في مَعْنى المُعانِدِ كالجَلِيسِ والأكِيلِ والعَشِيرِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ إشارَةٌ إلى أُمُورٍ كَثِيرَةٍ مِن صِفاتِهِ:
أحَدُها: أنَّهُ كانَ مُعانِدًا في جَمِيعِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ والعَدْلِ والقُدْرَةِ وصِحَّةِ النُّبُوَّةِ وصِحَّةِ البَعْثِ، وكانَ هو مُنازِعًا في الكُلِّ مُنْكِرًا لِلْكُلِّ.
وثانِيها: أنَّ كُفْرَهُ كانَ كُفْرَ عِنادٍ كانَ يَعْرِفُ هَذِهِ الأشْياءَ بِقَلْبِهِ إلّا أنَّهُ كانَ يُنْكِرُها بِلِسانِهِ، وكُفْرُ المُعانِدِ أفْحَشُ أنْواعِ الكُفْرِ.
وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِن قَدِيمِ الزَّمانِ كانَ عَلى هَذِهِ الحِرْفَةِ والصَّنْعَةِ.
ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا﴾ يُفِيدُ أنَّ تِلْكَ المُعانَدَةَ كانَتْ مِنهُ مُخْتَصَّةً بِآياتِ اللَّهِ تَعالى وبَيِّناتِهِ، فَإنَّ تَقْدِيرَهُ: إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا لا لِآياتِ غَيْرِنا، فَتَخْصِيصُهُ هَذا العِنادَ بِآياتِ اللَّهِ مَعَ كَوْنِهِ تارِكًا لِلْعِنادِ في سائِرِ الأشْياءِ يَدُلُّ عَلى غايَةِ الخُسْرانِ.