Tafsir Ibn Al-Jawzi

Multiple Ayahs

Tags

Download Links

Tafsir Ibn Al-Jawzi tafsir for Surah Ash-Shuraa — Ayah 6

حمٓ ١ عٓسٓقٓ ٢ كَذَٰلِكَ يُوحِيٓ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ ٱللَّهُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٣ لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ ٤ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرۡنَ مِن فَوۡقِهِنَّۚ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَيَسۡتَغۡفِرُونَ لِمَن فِي ٱلۡأَرۡضِۗ أَلَآ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٥ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيۡهِمۡ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِوَكِيلٖ ٦

صفحة ٢٧٠

سُورَةُ حَم عسق

واسْمُها سُورَةُ الشُّورى

وَهِيَ مَكِّيَّةٌ، رَواهُ العَوْفِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ. وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ قالا: إلّا أرْبَعَ آياتٍ نَزَلْنَ بِالمَدِينَةِ، أوَّلُها: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ [الشُّورى: ٢٣] وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مِنَ المَدَنِيِّ قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الشُّورى: ٢٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الشُّورى: ٢٤] وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ﴾ [الشُّورى: ٣٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿مِن سَبِيلٍ﴾ [الشُّورى: ٤١] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حم﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [المُؤْمِنِ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عسق﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْمائِهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ حُرُوفٌ مِن أسْماءٍ؛ ثُمَّ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ العَيْنَ عِلْمُ اللَّهُ، والسِّينَ سَناؤُهُ، والقافَ قُدْرَتُهُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ. والثّانِي: أنَّ العَيْنَ فِيها عَذابٌ، والسِّينَ فِيها مَسْخٌ، والقافَ فِيها قَذْفٌ، رَواهُ أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّ الحاءَ مِن حَرْبٍ، والمِيمَ مِن تَحْوِيلِ مُلْكٍ، والعَيْنَ مِن عَدُوٍّ مَقْهُورٍ، والسِّينَ اسْتِئْصالٌ بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ، والقافَ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ في مُلُوكِ الأرْضِ، قالَهُ عَطاءٌ. والرّابِعُ: أنَّ العَيْنَ مِن عالِمٍ، والسِّينَ مِن قُدُّوسٍ، والقافَ مِن قاهِرٍ، قالَهُ [سَعِيدُ] بْنُ جُبَيْرٍ. والخامِسُ: أنَّ العَيْنَ مِنَ العَزِيزِ، والسِّينَ مِنَ السَّلامِ، والقافَ مِنَ القادِرِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

صفحة ٢٧٢

أحَدُها: أنَّهُ كَما أوْحَيْتُ "حم عسق" إلى كُلِّ نَبِيٍّ، كَذَلِكَ نُوحِيها إلَيْكَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: كَذَلِكَ نُوحِي إلَيْكَ أخْبارَ الغَيْبِ كَما أوْحَيْنا إلى مَن قَبْلَكَ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنْ "حم عسق" نَزَلَتْ في أمْرِ العَذابِ، فَقِيلَ: كَذَلِكَ نُوحِي إلَيْكَ أنَّ العَذابَ نازِلٌ بِمَن كَذَّبَكَ كَما أوْحَيْنا ذَلِكَ إلى مَن كانَ قَبْلَكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: هَكَذا نُوحِي إلَيْكَ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "يُوحى" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الحاءِ. كَأنَّهُ إذا قِيلَ: مَن يُوحِي؟ قِيلَ: اللَّهُ. ورَوى أبانُ عَنْ عاصِمٍ: "نُوحِي" بِالنُّونِ وكَسْرِ الحاءِ.

﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: "تَكادُ" بِالتّاءِ "يَتَفَطَّرْنَّ" بِياءٍ وتاءٍ مَفْتُوحَةٍ وفَتْحِ الطّاءِ وتَشْدِيدِها. وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ: "يَكادُ" بِالياءِ "يَتَفَطَّرْنَ" مِثْلُ قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "تَكادُ" بِالتّاءِ "يَنْفَطِرْنَ" بِالنُّونِ وكَسْرِ الطّاءِ وتَخْفِيفِها، أيْ: يَتَشَقَّقْنَ ﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ: مِن فَوْقِ الأرَضِينَ مِن عَظَمَةِ الرَّحْمَنِ؛ وقِيلَ: مِن قَوْلِ المُشْرِكِينَ: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ ونَظِيرُها [الَّتِي] في [مَرْيَمَ: ٩٠] .

﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ قالَ بَعْضُهُمْ: يُصَلُّونَ بِأمْرِ رَبِّهِمْ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: يُنَزِّهُونَهُ عَمّا لا يَجُوزُ في صِفَتِهِ ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

صفحة ٢٧٣

والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَسْتَغْفِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَلَمّا ابْتُلِيَ هارُوتُ ومارُوتُ اسْتَغْفَرُوا لِمَن في الأرْضِ.

وَمَعْنى اسْتِغْفارِهِمْ: سُؤالُهُمُ الرِّزْقَ لَهُمْ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. وقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ مِنهم مُقاتِلٌ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافِرٍ: ٧]، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّهم إنَّما يَسْتَغْفِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ دُونَ الكُفّارِ، فَلَفْظُ هَذِهِ الآيَةِ عامٌّ، ومَعْناها خاصٌّ، ويَدُلُّ عَلى التَّخْصِيصِ قَوْلُهُ: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافِرٍ: ٧]، لِأنَّ الكافِرَ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُسْتَغْفَرَ لَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ اتَّخَذُوا آلِهَةً فَعَبَدُوها مِن دُونِهِ ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: حافِظٌ لِأعْمالِهِمْ لِيُجازِيَهم بِها ﴿وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: لَمْ نُوَكِّلْكَ بِهِمْ فَتُؤْخَذَ بِهِمْ. وهَذِهِ الآيَةُ عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَصِحُّ.