Tafsir Ibn Al-Jawzi

Multiple Ayahs

Tags

Download Links

Tafsir Ibn Al-Jawzi tafsir for Surah Az-Zukhruf — Ayah 40

وَمَن يَعۡشُ عَن ذِكۡرِ ٱلرَّحۡمَٰنِ نُقَيِّضۡ لَهُۥ شَيۡطَٰنٗا فَهُوَ لَهُۥ قَرِينٞ ٣٦ وَإِنَّهُمۡ لَيَصُدُّونَهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُم مُّهۡتَدُونَ ٣٧ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَنَا قَالَ يَٰلَيۡتَ بَيۡنِي وَبَيۡنَكَ بُعۡدَ ٱلۡمَشۡرِقَيۡنِ فَبِئۡسَ ٱلۡقَرِينُ ٣٨ وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلۡيَوۡمَ إِذ ظَّلَمۡتُمۡ أَنَّكُمۡ فِي ٱلۡعَذَابِ مُشۡتَرِكُونَ ٣٩ أَفَأَنتَ تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ أَوۡ تَهۡدِي ٱلۡعُمۡيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٤٠

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: يُعْرِضْ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ.

والثّانِي: يَعْمَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ عَطاءٌ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ البَصَرُ الضَّعِيفُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. وقالَ أبُوعُبَيْدَةَ: تُظْلِمْ عَيْنُهُ عَنْهُ. وقالَ الفَرّاءُ: مَن قَرَأ: "يَعْشُ"، فَمَعْناهُ: يُعْرِضْ، ومِن نَصَبَ الشِّينَ، أرادَ: يَعْمَ عَنْهُ؛ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا أرى القَوْلَ إلّا قَوْلَ أبِي عُبَيْدَةَ، ولَمْ نَرَ أحَدًا يُجِيزُ "عَشَوْتُ عَنِ الشَّيْءِ": أعْرَضْتُ عَنْهُ، إنَّما يُقالُ: "تَعاشَيْتُ عَنْ كَذا"، أيْ: تَغافَلْتُ عَنْهُ، كَأنِّي لَمْ أرَهُ، ومِثْلُهُ: تَعامَيْتُ، والعَرَبُ تَقُولُ: "عَشَوْتُ إلى النّارِ": إذا اسْتَدْلَلْتُ إلَيْها بِبَصَرٍ ضَعِيفٍ، قالَ الحُطَيْئَةُ:

مَتى تَأْتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ تَجِدْ خَيْرَ نارٍ عِنْدَها خَيْرُ مُوقِدِ

وَمِنهُ حَدِيثُ ابْنِ المُسَيَّبِ: « "أنَّ إحْدى عَيْنَيْهِ ذَهَبَتْ، وهو يَعْشُو بِالأُخْرى"،» أيْ: يُبْصِرُ بِها بَصَرًا ضَعِيفًا.

قالَ المُفَسِّرُونَ: "وَمَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ" فَلَمْ يَخَفْ عِقابَهُ ولَمْ يَلْتَفِتْ إلى كَلامِهِ "نُقَيِّضْ لَهُ" أيْ: نُسَبِّبْ لَهُ "شَيْطانًا" فَنَجْعَلْ ذَلِكَ جَزاءَهُ "فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ" لا يُفارِقُهُ.

صفحة ٣١٦

﴿وَإنَّهُمْ﴾ يَعْنِي الشَّياطِينَ ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ، أيْ: يَمْنَعُونَهم عَنْ سَبِيلِ الهُدى؛ وإنَّما جَمَعَ، لِأنَّ "مَن" في مَوْضِعِ جَمْعٍ، ﴿وَيَحْسَبُونَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ بَنِي آدَمَ ﴿أنَّهُمْ﴾ عَلى هُدًى.

﴿حَتّى إذا جاءَنا﴾ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "جاءَنا" واحِدٌ، يَعْنِي الكافِرَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "جاءانا" بِألِفَيْنِ عَلى التَّثْنِيَةِ، يَعْنُونَ الكافِرَ وشَيْطانَهُ. وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُما يُجْعَلانِ يَوْمَ البَعْثِ في سِلْسِلَةٍ، فَلا يَفْتَرِقانِ حَتّى يُصَيِّرَهُما اللَّهُ إلى النّارِ، ﴿قالَ﴾ الكافِرُ لِلشَّيْطانِ: ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ أيْ: بُعْدَ ما بَيْنَ المَشْرِقَيْنِ؛ وفِيهِما قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُما مَشْرِقُ الشَّمْسِ في أقْصَرِ يَوْمٍ في السَّنَةِ، ومَشْرِقُها في أطْوَلِ يَوْمٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ أرادَ المَشْرِقَ والمَغْرِبَ، فَغَلَّبَ ذِكْرَ المَشْرِقِ، كَما قالُوا: سُنَّةُ العُمَرَيْنِ، يُرِيدُونَ: أبا بَكْرٍ وعُمَرَ، وأنْشَدُوا مِن ذَلِكَ:

أخَذْنا بِآفاقِ السَّماءِ عَلَيْكُمُ ∗∗∗ لَنا قَمَراها والنُّجُومُ الطَّوالِعُ

يُرِيدُ: الشَّمْسَ والقَمَرَ؛ وأنْشَدُوا:

فَبَصْرَةُ الأزْدِ مِنّا والعِراقُ لَنا ∗∗∗ والمَوْصِلانِ ومِنّا مِصْرُ والحَرَمُ

يُرِيدُ: الجَزِيرَةَ والمَوْصِلَ، [وَهَذا اخْتِيارُ الفَرّاءِ، والزَّجّاجِ] .

صفحة ٣١٧

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ أيْ: أنْتَ أيُّها الشَّيْطانُ. ويَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَوْمَئِذٍ لِلْكُفّارِ: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ﴾ أيْ: أشْرَكْتُمْ في الدُّنْيا ﴿أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أيْ: لَنْ يَنْفَعَكُمُ الشَّرِكَةُ في العَذابِ، لِأنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُ الحَظَّ الأوْفَرَ. قالَ المُبَرِّدُ: مُنِعُوا رُوحَ التَّأسِّي، لِأنَّ التَّأسِّيَ يُسَهِّلُ المُصِيبَةَ، وأنْشَدَ لِلْخَنْساءِ أُخْتِ صَخْرِ بْنِ مالِكٍ في هَذا المَعْنى

ولَوْلا كَثْرَةُ الباكِينَ حَوْلِي ∗∗∗ عَلى إخْوانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي

وما يَبْكُونَ مِثْلَ أخِي ولَكِنْ ∗∗∗ أُعَزِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأسِّي

وَقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "إنَّكُمْ" بِكَسْرِ الألِفِ.

ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِما سَبَقَ لَهم مِنَ الشَّقاوَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ الآيَةُ.