Tafsir Ibn Al-Jawzi

Multiple Ayahs

Tags

Download Links

Tafsir Ibn Al-Jawzi tafsir for Surah Al-Jathiyah — Ayah 28

أَفَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلۡمٖ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمۡعِهِۦ وَقَلۡبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَٰوَةٗ فَمَن يَهۡدِيهِ مِنۢ بَعۡدِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٢٣ وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا نَمُوتُ وَنَحۡيَا وَمَا يُهۡلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهۡرُۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ ٢٤ وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱئۡتُواْ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٥ قُلِ ٱللَّهُ يُحۡيِيكُمۡ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يَجۡمَعُكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٢٦ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوۡمَئِذٖ يَخۡسَرُ ٱلۡمُبۡطِلُونَ ٢٧ وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٖ جَاثِيَةٗۚ كُلُّ أُمَّةٖ تُدۡعَىٰٓ إِلَىٰ كِتَٰبِهَا ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٢٨ هَٰذَا كِتَٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيۡكُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّا كُنَّا نَسۡتَنسِخُ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٢٩ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُدۡخِلُهُمۡ رَبُّهُمۡ فِي رَحۡمَتِهِۦۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡمُبِينُ ٣٠ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَفَلَمۡ تَكُنۡ ءَايَٰتِي تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ وَكُنتُمۡ قَوۡمٗا مُّجۡرِمِينَ ٣١

صفحة ٣٦٢

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في [الفُرْقانِ: ٤٣] . وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ السَّهْمِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ﴾ أيْ: عَلى عِلْمِهِ السّابِقِ فِيهِ أنَّهُ

صفحة ٣٦٣

لا يَهْتَدِي ﴿وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ﴾ أيْ: طَبَعَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَسْمَعِ الهُدى "وَ" عَلى " قَلْبه " فَلَمْ يَعْقِلِ الهُدى. وقَدْ ذَكَرْنا الغِشاوَةَ والخَتْمَ في [البَقَرَةِ: ٧] .

﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ﴾؟! أيْ: مِن بَعْدِ إضْلالِهِ إيّاهُ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ فَتَعْرِفُوا قُدْرَتَهُ عَلى ما يَشاءُ؟! . وما بَعْدَ [هَذا] مُفَسَّرٌ في سُورَةِ [المُؤْمِنُونَ: ٣٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَما يُهْلِكُنا إلا الدَّهْرُ﴾ أيِ: اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ ﴿وَما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ أيْ: ما قالُوهُ عَنْ عِلْمٍ، إنَّما قالُوهُ شاكِّينَ فِيهِ. ومِن أجْلِ هَذا قالَ نَبِيُّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « "لا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإنَّ اللَّهَ هو الدَّهْرُ"،» أيْ: هو الَّذِي يُهْلِكُكُمْ، لا ما تَتَوَهَّمُونَهُ مِن مُرُورِ الزَّمانِ. وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ [البَقَرَةِ: ٢٨، الشُّورى: ٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ﴾ يَعْنِي المُكَذِّبِينَ الكافِرِينَ أصْحابَ الأباطِيلِ؛

صفحة ٣٦٤

والمَعْنى: يَظْهَرُ خُسْرانُهم يَوْمَئِذٍ. ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ﴾ قالَ الفَرّاءُ: تَرى أهْلَ كُلِّ دِينٍ ﴿جاثِيَةً﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: جالِسَةٌ عَلى الرُّكَبِ، يُقالُ: قَدْ جَثا فُلانٌ جُثُوًّا: إذا جَلَسَ عَلى رُكْبَتَيْهِ، ومِثْلُهُ: جَذا يَجْذُو. والجُذُوُّ أشَدُّ اسْتِيفازًا مِنَ الجُثُوِّ، لِأنَّ الجُذُوَّ: أنْ يَجْلِسَ صاحِبُهُ عَلى أطْرافِ أصابِعِهِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَعْنى أنَّها غَيْرُ مُطْمَئِنَّةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ كِتابُها الَّذِي فِيهِ حَسَناتُها وسَيِّئاتُها، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ حِسابُها، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: كِتابُها الَّذِي أُنْزِلَ عَلى رَسُولِهِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

وَيُقالُ لَهُمْ: ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .

﴿هَذا كِتابُنا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوال. أحَدُها: أنَّهُ كِتابُ الأعْمالِ الَّذِي تَكْتُبُهُ الحَفَظَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّانِي: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: القُرْآنُ، والمَعْنى أنَّهم يَقْرَؤُونَهُ فَيَدُلُّهم ويُذَكِّرُهُمْ، فَكَأنَّهُ يَنْطِقُ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

صفحة ٣٦٥

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: نَأْمُرُ المَلائِكَةَ بِنَسْخِ أعْمالِكُمْ، أيْ: بِكَتْبِها وإثْباتِها. وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذا الِاسْتِنْساخَ، مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، تَسْتَنْسِخُ المَلائِكَةُ كُلَّ عامٍ ما يَكُونُ مِن أعْمالِ بَنِي آدَمَ، فَيَجِدُونَ ذَلِكَ مُوافِقًا ما يَعْمَلُونَهُ. قالُوا: والِاسْتِنْساخُ لا يَكُونُ إلّا مِن أصْلٍ. قالَ الفَرّاءُ: يَرْفَعُ المَلَكانِ العَمَلَ كُلَّهُ، فَيُثْبِتُ اللَّهُ مِنهُ ما فِيهِ ثَوابٌ أوْ عِقابٌ، ويَطْرَحُ مِنهُ اللَّغْوَ. وقالَ الزَّجّاجُ: نَسْتَنْسِخُ ما تَكْتُبُهُ الحَفَظَةُ، ويَثْبُتُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: في جَنَّتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي﴾ فِيهِ إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: فَيُقالُ لَهم ألَمْ تَكُنْ آياتِي، يَعْنِي آياتِ القُرْآنِ ﴿تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ عَنِ الإيمانِ بِها ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ ﴾؟! قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كافِرِينَ.