Tafsir Ibn Al-Jawzi

Multiple Ayahs

Tags

Download Links

Tafsir Ibn Al-Jawzi tafsir for Surah Al-Ahqaf — Ayah 33

أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَلَمۡ يَعۡيَ بِخَلۡقِهِنَّ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحۡـِۧيَ ٱلۡمَوۡتَىٰۚ بَلَىٰٓۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٣٣ وَيَوۡمَ يُعۡرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ أَلَيۡسَ هَٰذَا بِٱلۡحَقِّۖ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَاۚ قَالَ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ٣٤ فَٱصۡبِرۡ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلۡعَزۡمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ وَلَا تَسۡتَعۡجِل لَّهُمۡۚ كَأَنَّهُمۡ يَوۡمَ يَرَوۡنَ مَا يُوعَدُونَ لَمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا سَاعَةٗ مِّن نَّهَارِۭۚ بَلَٰغٞۚ فَهَلۡ يُهۡلَكُ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٣٥

ثُمَّ احْتَجَّ عَلى إحْياءِ المَوْتى بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا. . .﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ. والرُّؤْيَةُ هاهُنا بِمَعْنى العِلْمِ.

﴿وَلَمْ يَعْيَ﴾ أيْ: لَمْ يَعْجِزْ عَنْ ذَلِكَ؛ يُقالُ: عَيَّ فُلانٌ بِأمْرِهِ، إذا لَمْ يَهْتَدِ لَهُ ولَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: عَيِيتُ بِالأمْرِ، إذا لَمْ تَعْرِفْ وجْهَهُ، وأعْيَيْتُ، إذا تَعِبْتَ.

صفحة ٣٩٢

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِقادِرٍ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ: الباءُ زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ. وقالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تُدْخِلُ الباءَ مَعَ الجَحْدِ، مِثْلُ قَوْلِكَ: ما أظُنُّكَ بِقائِمٍ، وهَذا قَوْلُ الكِسائِيِّ، والزَّجّاجِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ: "يَقْدِرُ" بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ مَكانَ الباءِ وسُكُونِ القافِ ورَفْعِ الرّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ﴾ أيْ: ذَوُو الحَزْمِ والصَّبْرِ؛ وفِيهِمْ عَشْرَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم نُوحٌ، وإبْراهِيمُ، ومُوسى، وعِيسى، ومُحَمَّدٌ، صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةَ، وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ، وابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: نُوحٌ، وهُودٌ، وإبْراهِيمُ، ومُحَمَّدٌ، صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ الرَّياحِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ لَمَّ تُصِبْهم فِتْنَةٌ مِنَ الأنْبِياءِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: أنَّهُمُ العَرَبُ مِنَ الأنْبِياءِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ.

والخامِسُ: أنَّهم إبْراهِيمُ، ومُوسى، وداوُدُ، وسُلَيْمانُ، وعِيسى، ومُحَمَّدٌ، صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ، قالَهُ السُّدِّيُّ

والسّادِسُ: أنَّ مِنهم إسْماعِيلَ، ويَعْقُوبَ، وأيُّوبَ، ولَيْسَ مِنهم آدَمُ، ولا يُونُسُ، ولا سُلَيْمانُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

والسّابِعُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالجِهادِ والقِتالِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، وحُكِيَ عَنِ السُّدِّيِّ.

والثّامِنُ: أنَّهم جَمِيعُ الرُّسُلِ، فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ رَسُولًا إلّا كانَ مِن أُولِي العَزْمِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، واخْتارَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وقالَ: "مَن" دَخَلَتْ لِلتَّجْنِيسِ لا لِلتَّبْعِيضِ، كَما تَقُولُ: قَدْ رَأيْتُ الثِّيابَ مِنَ الخَزِّ والجِبابَ مِنَ القَزِّ.

صفحة ٣٩٣

والتّاسِعُ: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ المَذْكُورُونَ في سُورَةِ [الأنْعامِ: ٨٣ -٨٦]، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ.

والعاشِرُ: أنَّهم جَمِيعُ الأنْبِياءِ إلّا يُونُسَ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ يَعْنِي العَذابَ. قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ ضَجِرَ بَعْضَ الضَّجَرِ، وأحَبَّ أنْ يَنْزِلَ العَذابُ بِمَن أبى مِن قَوْمِهِ، فَأُمِرَ بِالصَّبْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ﴾ أيْ: مِنَ العَذابِ ﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾ في الدُّنْيا ﴿إلا ساعَةً مِن نَهارٍ﴾ لِأنَّ ما مَضى كَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ وإنْ كانَ طَوِيلًا. وقِيلَ: لِأنَّ مِقْدارَ مُكْثِهِمْ في الدُّنْيا قَلِيلٌ في جَنْبِ مُكْثِهِمْ في عَذابِ الآخِرَةِ. وهاهُنا تَمَّ الكَلامُ. ثُمَّ قالَ: ﴿بَلاغٌ﴾ أيْ: هَذا القُرْآنُ وما فِيهِ مِنَ البَيانِ بَلاغٌ عَنِ اللَّهِ إلَيْكم.

وَفِي مَعْنى وصْفِ القُرْآنِ بِالبَلاغِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ البَلاغَ بِمَعْنى التَّبْلِيغِ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: الكِفايَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى: ما أخْبَرْناهم بِهِ لَهم فِيهِ كِفايَةٌ وغِنًى.

وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ وجْهًا آخَرَ، وهو أنَّ المَعْنى: لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ، ذَلِكَ لُبْثُ بِلاغٍ، أيْ: ذَلِكَ بَلاغٌ لَهم في الدُّنْيا إلى آجالِهِمْ، ثُمَّ حُذِفَتْ "ذَلِكَ لُبْثُ" اكْتِفاءً بِدَلالَةٍ ما ذُكِرَ في الكَلامِ عَلَيْها.

صفحة ٣٩٤

وَقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ: "بَلِّغْ" بِكَسْرِ اللّامِ وتَشْدِيدِها وسُكُونِ الغَيْنِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يَهْلِكُ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ، أيْ: عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ ﴿إلا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ الخارِجُونَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؟! .