You are reading tafsir of 16 ayahs: 56:41 to 56:56.
صفحة ١٤٤
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ قَدْ بَيَّنّا أنَّهُ بِمَعْنى التَّعَجُّبِ مِن حالِهِمْ؛ والمَعْنى: ما لَهُمْ، وما أعَدَّ لَهم مِنَ الشَّرِّ؟! ثُمَّ بَيَّنَ لَهم سُوءَ مُنْقَلَبِهِمْ فَقالَ: "فِي سَمُومٍ" قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو حَرُّ النّارِ.قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ظِلٌّ مِن دُخانٍ. قالَ الفَرّاءُ: اليَحْمُومُ: الدُّخانُ الأسْوَدُ، "لا بارِدٌ ولا كَرِيمٌ" فَوَجْهُ الكَلامِ الخَفْضُ تَبَعًا لِما قَبْلَهُ، ومِثْلُهُ "زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ" [النُّورِ: ٣٥]، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾، ولَوْ رَفَعْتَ ما بَعْدَ "لا" كانَ صَوابًا، والعَرَبُ تَجْعَلُ الكَرِيمَ تابِعًا لِكُلِّ شَيْءٍ نَفَتْ عَنْهُ فِعْلًا يُنْوى [بِهِ] الذَّمُّ، فَتَقُولُ: ما هَذِهِ الدّارُ بِواسِعَةٍ ولا كَرِيمَةٍ، وما هَذا بِسَمِينٍ ولا كَرِيمٍ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا بارِدُ المَدْخَلِ ولا كَرِيمُ المَنظَرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا "مُتْرَفِينَ" أيْ: مُتَنَعِّمِينَ في تَرْكِ أمْرِ اللَّهِ، فَشَغَلَهم تَرَفُهم عَنِ الِاعْتِبارِ والتَّعَبُّدِ.
﴿وَكانُوا يُصِرُّونَ﴾ أيْ: يُقِيمُونَ ﴿عَلى الحِنْثِ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الشِّرْكُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: الذَّنْبُ العَظِيمُ الَّذِي لا يَتُوبُونَ مِنهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وعَنْ قَتادَةَ كالقَوْلَيْنِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ اليَمِينُ الغَمُوسُ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.
والرّابِعُ: الشِّرْكُ والكُفْرُ بِالبَعْثِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الواوُ مُتَحَرِّكَةٌ لِأنَّها لَيْسَتْ بِواوِ "أوْ" إنَّما هي "وَآباؤُنا"، فَدَخَلَتْ عَلَيْها ألِفُ الِاسْتِفْهامِ فَتُرِكَتْ مَفْتُوحَةً. وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ، وابْنُ عامِرٍ: "أوْ آباؤُنا" بِإسْكانِ الواوِ.
صفحة ١٤٥
وَقَدْ سَبَقَ بَيانُ ما لَمْ يُذْكَرْ ها هُنا [هُودٍ: ١٠٣،الصّافّاتِ: ٦٢، الأنْعامِ: ٧٠ ] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ: "شُرْبَ" بِضَمِّ الشِّينِ؛ والباقُونَ بِفَتْحِها. قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تَقُولُ: شَرِبْتُهُ شُرْبًا، وأكْثَرُ أهْلِ نَجْدٍ يَقُولُونَ: شَرْبًا بِالفَتْحِ، أنْشَدَنِي عامَّتُهُمْ:تَكْفِيهِ حَزَّةُ فِلْذٍ إنْ ألَمَّ بِها مِنَ الشِّواءِ ويَكْفِي شَرْبَهُ الغُمَرُ
وَزَعَمَ الكِسائِيُّ أنَّ قَوْمًا مِن بَنِي سَعْدِ بْنِ تَمِيمٍ يَقُولُونَ: "شِرْبَ الهِيمِ" بِالكَسْرِ. وقالَ الزَّجّاجُ: "الشَّرْبُ" المَصْدَرُ، و"الشُّرْبُ" بِالضَّمِّ: الِاسْمُ، قالَ: وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ أيْضًا.وَفِي "الهِيمِ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: الإبِلُ العِطاشُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ والعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وعَطاءٌ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هي الإبِلُ يُصِيبُها داءٌ فَلا تَرْوى مِنَ الماءِ، يُقالُ: بَعِيرٌ أهْيَمُ، وناقَةٌ هَيْماءُ.
والثّانِي: أنَّها الأرْضُ الرَّمْلَةُ الَّتِي لا تَرْوى مِنَ الماءِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الهِيمُ: ما لا يَرْوى مِن رَمْلٍ أوْ بَعِيرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا نُزُلُهُمْ﴾ أيْ: رِزْقُهم. ورَواهُ عَبّاسٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو:
صفحة ١٤٦
"نُزْلُهُمْ" بِسُكُونِ الزّاىِ، أيْ: رِزْقُهم وطَعامُهم. وفى "الدِّينِ" قَوْلانِ قَدْ ذَكَرْناهُما في "الفاتِحَةِ" .