You are reading tafsir of 7 ayahs: 88:1 to 88:7.
صفحة ٩٤
سُورَةُ الغاشِيَةِوَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ﴾ أيْ: قَدْ أتاكَ، قالَهُ قُطْرُبٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: هَذا لَمْ يَكُنْ مِن عِلْمِكَ ولا مِن عِلْمِ قَوْمِكَ.
وَفِي " الغاشِيَةِ " قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها القِيامَةُ تَغْشى النّاسَ بِالأهْوالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: أنَّها النّارُ تَغْشى وجُوهَ الكُفّارِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والقُرَظِيُّ، ومُقاتِلٌ.
صفحة ٩٥
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ أيْ: ذَلِيلَةٌ وفِيها قَوْلانِ.أحَدُهُما: أنَّها وُجُوهُ اليَهُودِ والنَّصارى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ جَمِيعُ الكُفّارِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ الَّذِينَ عَمِلُوا ونَصَبُوا في الدُّنْيا عَلى غَيْرِ دِينِ الإسْلامِ، كَعَبَدَةِ الأوْثانِ، وكُفّارِ أهْلِ الكِتابِ، مِثْلُ الرُّهْبانِ وغَيْرِهِمْ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الرُّهْبانُ، وأصْحابُ الصَّوامِعِ، رَواهُ أبُو الضُّحى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
والثّالِثُ: عامِلَةٌ ناصِبَةٌ في النّارِ بِمُعالَجَةِ السَّلاسِلِ والأغْلالِ، لِأنَّها [لِمَ] تَعْمَلْ لِلَّهِ في الدُّنْيا، فَأعْمَلَها وأنْصَبَها في النّارِ، ورَوى هَذا المَعْنى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ. وقالَ قَتادَةُ: تَكَبَّرَتْ في الدُّنْيا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، فَأعْمَلَها وأنْصَبَها في النّارِ بِالِانْتِقالِ مِن عَذابٍ إلى عَذابٍ. قالَ الضَّحّاكُ: يُكَلَّفُونَ ارْتِقاءَ جَبَلٍ في النّارِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: يَخِرُّونَ عَلى وُجُوهِهِمْ في النّارِ. وقالَ مُقاتِلٌ: عامِلَةٌ في النّارِ تَأْكُلُ مِنَ النّارِ، ناصِبَةٌ لِلْعَذابِ.
والرّابِعُ: عامِلَةٌ في الدُّنْيا بِالمَعاصِي ناصِبَةٌ في النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ. والكَلامُ هاهُنا عَلى الوُجُوهِ، والمُرادُ أصْحابُها. وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى " النَّصَبِ " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ [الحِجْرِ: ٤٨] .
صفحة ٩٦
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ قَرَأ أهْلُ البَصْرَةِ وعاصِمٌ إلّا حَفْصًا " تُصْلى " بِضَمِّ التّاءِ. والباقُونَ بِفَتْحِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَدْ حَمِيَتْ فَهي تَتَلَظّى عَلى أعْداءِ اللَّهِ، ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أيْ: مُتَناهِيَةٌ في الحَرارَةِ. قالَ الحَسَنُ: وقَدْ [أُوقِدَتْ] عَلَيْها جَهَنَّمُ مُنْذُ خُلِقَتْ، فَدُفِعُوا إلَيْها [وِرْدًا] عِطاشًا.قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ نَبْتٌ ذُو شَوْكٍ لاطِئٍ بِالأرْضِ، وتُسَمِّيهِ قُرَيْشٌ " الشِّبْرِقَ " فَإذا هاجَ سَمَّوْهُ: ضَرِيعًا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ شَجَرٌ مِن نارٍ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّها الحِجارَةُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ السَّلَمُ، قالَهُ أبُو الجَوْزاءِ.
والخامِسُ: أنَّهُ في الدُّنْيا: الشَّوْكُ اليابِسُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ ورَقٌ، وهو في الآخِرَةِ شَوْكٌ مِن نارٍ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
صفحة ٩٧
والسّادِسُ: أنَّهُ طَعامٌ يَضْرَعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى مِنهُ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ المُشْرِكُونَ: إنَّ إبِلَنا لَتَسْمَنُ عَلى الضَّرِيعِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ وكَذَبُوا، فَإنَّ الإبِلَ إنَّما تَرْعاهُ ما دامَ رَطِبًا، وحِينَئِذٍ يُسَمّى شِبْرِقًا، لا ضَرِيعًا، فَإذا يَبِسَ يُسَمّى: ضَرِيعًا لَمْ يَأْكُلْهُ شَيْءٌ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ قَدْ أخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ وفي مَكانٍ آخَرَ ﴿وَلا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقَّةُ: ٣٦] فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما؟
فالجَوابُ: أنَّ النّارَ دَرَكاتٌ، وعَلى قَدْرِ الذُّنُوبِ تَقَعُ العُقُوباتُ، فَمِنهم مَن طَعامُهُ الزَّقُّومُ، [وَمِنهُمْ] مَن طَعامُهُ غِسْلِينٌ، ومِنهم مَن شَرابُهُ الحَمِيمُ، ومِنهم مَن شَرابُهُ الصَّدِيدُ. قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.