Tafsir Ibn Al-Jawzi

Multiple Ayahs

Tags

Download Links

Tafsir Ibn Al-Jawzi tafsir for Surah Al-Balad — Ayah 7

لَآ أُقۡسِمُ بِهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ ١ وَأَنتَ حِلُّۢ بِهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ ٢ وَوَالِدٖ وَمَا وَلَدَ ٣ لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِي كَبَدٍ ٤ أَيَحۡسَبُ أَن لَّن يَقۡدِرَ عَلَيۡهِ أَحَدٞ ٥ يَقُولُ أَهۡلَكۡتُ مَالٗا لُّبَدًا ٦ أَيَحۡسَبُ أَن لَّمۡ يَرَهُۥٓ أَحَدٌ ٧ أَلَمۡ نَجۡعَل لَّهُۥ عَيۡنَيۡنِ ٨ وَلِسَانٗا وَشَفَتَيۡنِ ٩ وَهَدَيۡنَٰهُ ٱلنَّجۡدَيۡنِ ١٠

صفحة ١٢٦

سُورَةُ البَلَدِ

وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أُقْسِمُ. و " لا " دَخَلَتْ تَوْكِيدًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحَدِيدِ: ٢٩] وقَرَأ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو العالِيَةِ: " لِأُقْسِمُ " قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ القِراءَةُ بَعِيدَةٌ في العَرَبِيَّةِ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في أوَّلِ " القِيامَةِ " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

صفحة ١٢٧

وَ " البَلَد " هاهُنا: مَكَّةُ.

أحَدُها: حِلٌّ لَكَ ما صَنَعْتَ في هَذا البَلَدِ مِن قَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: رَجُلٌ حِلٌّ، وحَلالٌ، ومُحِلٌّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: إنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ نَبِيَّهُ أنْ يَفْتَحَ مَكَّةَ عَلى يَدَيْهِ بِأنْ يُحِلَّها لَهُ، فَيَكُونَ فِيها حِلًّا.

والثّانِي: فَأنْتَ مُحِلٌّ بِهَذا البَلَدِ غَيْرُ مُحْرِمٍ في دُخُولِهِ، يَعْنِي: عامَ الفَتْحَ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ.

والثّالِثُ: أنَّ المُشْرِكِينَ بِهَذا البَلَدِ يَسْتَحِلُّونَ إخْراجَكَ وقَتْلَكَ، ويُحَرِّمُونَ قَتْلَ الصَّيْدِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ آدَمُ وما ولَدَ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ.

صفحة ١٢٨

والثّانِي: أوْلادُ إبْراهِيمَ، وما ولَدَ: ذُرِّيَّتُهُ، قالَهُ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ والِدٍ وما ولَدَ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ.

وَفِيمَن عَنى بِالإنْسانِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ أبُو الأشَدَّيْنِ الجُمَحِيُّ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ، [المُدَّثِّرِ: ٢٩، والِانْفِطارِ: ٥] قالَهُ الحَسَنُ.

صفحة ١٢٩

والثّالِثُ: أنَّهُ الحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، وذَلِكَ أنَّهُ أذْنَبَ ذَنْبًا، فَأمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالكَفّارَةِ، فَقالَ لَقَدْ ذَهَبَ مالِي في الكَفّاراتِ، والنَّفَقاتِ مُنْذُ دَخَلْتُ في دِينِ مُحَمَّدٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والخامِسُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: في نَصَبٍ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ، فَإنَّهم قالُوا: في شِدَّةٍ. قالَ الحَسَنُ: يُكابِدُ الشُّكْرَ عَلى السَّرّاءِ والصَّبْرَ عَلى الضَّرّاءِ، لِأنَّهُ لا يَخْلُو مِن أحَدِهِما ويُكابِدُ مَصائِبَ الدُّنْيا، وشَدائِدَ الآخِرَةِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: في شِدَّةِ غَلَبَةٍ ومُكابَدَةٍ لِأُمُورِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مِن مُكابَدَةِ الأمْرِ، وهي مُعاناتُهُ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: خُلِقَ مُنْتَصِبًا يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ، وسائِرُ الحَيَوانِ

صفحة ١٣٠

غَيْرُ مُنْتَصِبٍ، رَواهُ مِقْسَمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وعَطِيَّةُ، والفَرّاءُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى الكَبَدِ: الِاسْتِواءَ والِاسْتِقامَةَ.

والثّالِثُ: في وسَطِ السَّماءِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ يَعْنِي: آدَمَ ﴿فِي كَبَدٍ﴾ أيْ: في وسَطِ السَّماءِ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ يَعْنِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أيْ: [أيَحْسَبُ أنْ] لَنْ نَقْدِرَ عَلى بَعْثِهِ، ومُعاقَبَتِهِ؟! ﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ أيْ: كَثِيرًا، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، هو فُعَلٌ مِنَ التَّلَبُّدِ، وهو المالُ الكَثِيرُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو المالُ المُتَلَبِّدُ،

صفحة ١٣١

كَأنَّ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وهو فُعَلٌ لِلْكَثْرَةِ، كَما يُقالُ: رَجُلٌ حُطَمٌ: إذا كانَ كَثِيرَ الحُطَمِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وعائِشَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو جَعْفَرٍ: " لُبَّدًا " بِضَمِّ اللّامِ، وتَشْدِيدِ الباءِ مَفْتُوحَةً. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ: " لَبْدًا " بِفَتْحِ اللّامِ وتَسْكِينِ الباءِ خَفِيفَةً. وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: " لُبُدًا " بِرَفْعِ اللّامِ والباءِ وتَخْفِيفِهِما. وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ أبِي الجَوْزاءِ: " لِبَدًا " بِكَسْرِ اللّامِ، وفَتْحِ الباءِ مُخَفَّفَةً.

وَفِيما قالَ لِأجْلِهِ ذَلِكَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ: أهْلَكْتُ مالًا كَثِيرًا في عَداوَةِ مُحَمَّدٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، فَكَأنَّهُ اسْتَطالَ بِما أنْفَقَ.

والثّانِي: أنْفَقْتُ في سَبِيلِ اللَّهِ وفي الكَفّاراتِ مالًا كَثِيرًا، قالَهُ مُقاتِلٌ. فَكَأنَّهُ نَدِمَ عَلى ما أنْفَقَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ يَعْنِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ. والمَعْنى: أيُظَنُّ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَرَ نَفَقَتَهُ، ولَمْ يُحْصِها؟! وكانَ قَدِ ادَّعى ما لَمْ يُنْفِقْ.

صفحة ١٣٢

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ والمَعْنى: ألَمْ نَفْعَلْ بِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى بَعْثِهِ؟!

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: سَبِيلُ الخَيْرِ والشَّرِّ، قالَهُ عَلِيٌّ، والحَسَنُ، والفَرّاءُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُرِيدُ طَرِيقَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وقالَ الزَّجّاجُ: النَّجْدانِ: الطَّرِيقانِ الواضِحانِ. والنَّجْدُ: المُرْتَفِعُ مِنَ الأرْضِ، فالمَعْنى: ألَمْ نُعَرِّفْهُ طَرِيقَ الخَيْرِ والشَّرِّ كَتَبَيُّنِ الطَّرِيقَيْنِ العالِيَيْنِ.

والثّانِي: سَبِيلُ الهُدى والضَّلالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو سَبِيلُ الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ.

والثّالِثُ: الثَّدْيانِ لِيَتَغَذّى بِلَبَنِهِما، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ.