Tafsir Ibn Al-Jawzi

Multiple Ayahs

Tags

Download Links

Tafsir Ibn Al-Jawzi tafsir for Surah Ash-Shams — Ayah 8

وَٱلشَّمۡسِ وَضُحَىٰهَا ١ وَٱلۡقَمَرِ إِذَا تَلَىٰهَا ٢ وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلَّىٰهَا ٣ وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَغۡشَىٰهَا ٤ وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَىٰهَا ٥ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا طَحَىٰهَا ٦ وَنَفۡسٖ وَمَا سَوَّىٰهَا ٧ فَأَلۡهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقۡوَىٰهَا ٨ قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا ٩ وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا ١٠

صفحة ١٣٧

سُورَةُ الشَّمْسِ

وَهِيَ مَكِيهٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ في المُرادِ " بِضُحاها " ثَلاثَةُ أقْوالٍ

أحَدُها: ضَوْؤُها، قالَهُ مُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ. والضُّحى: حِينَ يَصْفُو ضَوْءُ الشَّمْسِ بَعْدَ طُلُوعِها.

والثّانِي: النَّهارُ كُلُّهُ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: حَرُّها، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.

﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

صفحة ١٣٨

أحَدُهُما: إذا تَبِعَها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في آخَرِينَ. ثُمَّ في وقْتِ اتِّباعِهِ لَها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ في أوَّلِ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ يُرى القَمَرُ إذا سَقَطَتِ الشَّمْسُ، قالَ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهُ في الخامِسَ عَشَرَ يَطْلُعُ القَمَرُ مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ في النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ إذا غَرَبَتْ تَلاها القَمَرُ في الإضاءَةِ، وخَلَفَها في النُّورِ، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.

والقَوْلُ الثّانِي: إذا ساواها، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ غَيْرُهُ: إذا اسْتَدارَ، فَتَلا الشَّمْسَ في الضِّياءِ والنُّورِ، وذَلِكَ في اللَّيالِي البَيْضِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والنَّهارِ إذا جَلاها﴾ في المَكْنِيِّ عَنْها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها الشَّمْسُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، فَيَكُونُ المَعْنى: والنَّهارُ إذا بَيَّنَ الشَّمْسَ، لِأنَّها تَتَبَيَّنُ إذا انْبَسَطَ النَّهارُ.

والثّانِي: أنَّها الظُّلْمَةُ، فَيَكُونُ كِنايَةً عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، لِأنَّ المَعْنى مَعْرُوفٌ، كَما تَقُولُ: أصْبَحَتْ بارِدَةً، وهَبَّتْ شَمالًا، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، واللُّغَوِيِّينَ.

﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ أيْ: يَغْشى الشَّمْسَ حِينَ تَغِيبُ فَتُظْلِمُ الآفاقُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ في " ما " قَوْلانِ.

صفحة ١٣٩

أحَدُهُما: بِمَعْنى " مَن " تَقْدِيرُهُ " ومَن بَناها "، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ. وبَعْضُهم يَجْعَلُها بِمَعْنى الَّذِي.

والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى المَصْدَرِ، تَقْدِيرُهُ: وبِنائِها، وهَذا مَذْهَبُ قَتادَةَ، والزَّجّاجِ. وكَذَلِكَ القَوْلُ في ﴿وَما طَحاها﴾ ﴿وَما سَوّاها﴾ وقَدْ قَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ في آخَرِينَ " ومَن بَناها " " ومَن طَحاها " " ومَن سَوّاها " كُلُّهُ بِالنُّونِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى " طَحاها ": بَسَطَها يَمِينًا وشِمالًا، ومِن كُلِّ جانِبٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: خَيْرٌ طاحٍ، أيْ: كَثِيرٌ مُتَّسِعٌ.

وَفِي المُرادِ " بِالنَّفْسِ " ها هُنا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: آدَمُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: جَمِيعُ النُّفُوسِ، قالَهُ عَطاءٌ. وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى " سَوّاها " في

صفحة ١٤٠

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الِانْفِطارِ: ٧] ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ الإلْهامُ: إيقاعُ الشَّيْءِ في النَّفْسِ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ألْزَمَها فُجُورَها وتَقْواها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ ذَلِكَ فِيها بِتَوْفِيقِهِ إيّاها لِلتَّقْوى، وخِذْلانِهِ إيّاها لِلْفُجُورِ.

صفحة ١٤١

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا جَوابُ القَسَمِ. والمَعْنى: لَقَدْ أفْلَحَ، ولَكِنَّ اللّامَ حُذِفَتْ لِأنَّ الكَلامَ طالَ، فَصارَ طُولُهُ عِوَضًا مِنها. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ. وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: قَدْ أفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكّاها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ.

والثّانِي: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى نَفْسَهُ بِطاعَةِ اللَّهِ وصالِحِ الأعْمالِ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. ومَعْنى ﴿زَكّاها﴾: أصْلَحَها وطَهَّرَها مِنَ الذُّنُوبِ ﴿وَقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ فِيهِ قَوْلانِ كالَّذِي قَبْلَهُ.

فَإنْ قُلْنا: إنَّ الفِعْلَ لِلَّهِ، فَمَعْنى ﴿دَسّاها﴾: خَذَلَها، وأخْمَلَها، وأخْفى مَحَلَّها، [بِالكُفْرِ والمَعْصِيَةِ] ولَمْ يُشْهِرْها بِالطّاعَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ.

وَإنْ قُلْنا: الفِعْلُ لِلْإنْسانِ، فَمَعْنى " دَسّاها ": أخْفاها بِالفُجُورِ. قالَ الفَرّاءُ: ويُرْوى أنَّ " دَسّاها " دَسَّسَها لِأنَّ البَخِيلَ يُخْفِي مَنزِلَهُ ومالَهُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: دَسّى نَفْسَهُ، أيْ: أخْفاها بِالفُجُورِ والمَعْصِيَةِ. والأصْلُ مَن دَسَّسْتُ،

صفحة ١٤٢

فَقُلِبَتِ السِّينُ ياءً، كَما قالُوا: قَصَّيْتُ أظْفارِي، أيْ: قَصَصْتُها. فَكَأنَّ النَّطِفَ بِارْتِكابِ الفَواحِشِ دَسَّ نَفْسَهُ، وقَمَعَها، ومُصْطَنِعُ المَعْرُوفِ شَهَرَ نَفْسَهُ ورَفَعَها، وكانَتْ أجْوادُ العَرَبِ تَنْزِلُ الرُّبا لِلشُّهْرَةِ. واللِّئامُ تَنْزِلُ الأطْرافَ لِتُخْفِيَ أماكِنَها. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى " دَسّاها ": جَعَلَها قَلِيلَةً خَسِيسَةً.