صفحة 64
سُورَةُ القِيامَةِ مَكِّيَّةٌ، وآياتُها أرْبَعُونَ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ إدْخالُ "لا" النّافِيَةِ عَلى فِعْلِ القَسَمِ شائِعٌ، وفائِدَتُها تَوْكِيدُ القَسَمِ، قالُوا: إنَّها صِلَةٌ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ وقِيلَ: هي لِلنَّفِيِّ، لَكِنْ "لا" لِنَفْيِ نَفْسِ الإقْسامِ، بَلْ النَّفْيُ ما يُنْبِئُ هو عَنْهُ مِن إعْظامِ المُقْسَمِ بِهِ، وتَفْخِيمِهِ، كَأنَّ مَعْنى "لا أُقْسِمُ بِكَذا" لا أُعَظِّمُهُ بِإقْسامِي بِهِ حَقَّ إعْظامِهِ، فَإنَّهُ حَقِيقٌ بِأكْثَرَ مِن ذَلِكَ وأكْثَرَ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى نَفْيُ الإقْسامِ لِوُضُوحِ الأمْرِ، فَقَدْ عَرَفْتَ ما فِيهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ وقِيلَ: إنَّ "لا" نَفْيٌ ورَدَ لِكَلامٍ مَعْهُودٍ قَبْلَ القَسَمِ، كَأنَّهم أنْكَرُوا البَعْثَ، فَقِيلَ: لا، أيْ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، ثُمَّ قِيلَ: أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ كَقَوْلِكَ: لا واللَّهِ، إنَّ البَعْثَ حَقٌّ وأيًّا ما كانَ، فَفي الإقْسامِ عَلى تَحَقُّقِ البَعْثِ بِيَوْمِ القِيامَةِ مِنَ الجَزالَةِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ في سُورَةِ يس، وسُورَةِ الزُّخْرُفِ.