﴿إلى فِرْعَوْنَ﴾ أيْ مَلِكِ مِصْرَ. ولَمّا كانَ الأكابِرُ أوَّلَ مَن يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ الأمْرُ لِأنَّ بِانْقِيادِهِمْ يَنْقادُ غَيْرُهم قالَ: ﴿وهامانَ﴾ أيْ وزِيرُهُ. ولَمّا كانَ مَن أعْجَبِ العَجَبِ أنْ يُكَذِّبَ الرَّسُولَ مَن جاءَ لِنُصْرَتِهِ واسْتِنْقاذِهِ مَن شِدَّتِهِ قالَ: ﴿وقارُونَ﴾ أيْ قَرِيبِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَقالُوا﴾ أيْ هَؤُلاءِ ومَن تَبِعَهُمْ، أمّا مَن عَدا قارُونَ فَأوَّلًا وآخِرًا بِالقُوَّةِ والفِعْلِ، وأمّا قارُونُ فَفِعْلُهُ آخِرًا بَيَّنَ أنَّهُ مَطْبُوعٌ عَلى الكُفْرِ وإنْ آمَنَ أوَّلًا، وإنَّ هَذا كانَ قَوْلَهُ وإنْ لَمْ يَقُلْهُ بِالفِعْلِ في ذَلِكَ الزَّمانِ فَقَدْ قالَهُ في التِّيهِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ (p-٤٩)لَمْ يَزَلْ قائِلًا بِهِ، لِأنَّهُ لَمْ يَتُبْ مِنهُ ﴿ساحِرٌ﴾ لِعَجْزِهِمْ عَنْ مُقاهَرَتِهِ، ولَمْ يَقُلْ، ”سَحّارٌ“ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ أحَدٌ أنَّهُ يَمْدَحُهُ بِالبَراعَةِ في عِلْمِ السِّحْرِ فَتَتَحَرَّكُ الهِمَمُ لِلْإقْبالِ عَلَيْهِ لِلِاسْتِفادَةِ مِنهُ وهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ثُمَّ وصَفُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿كَذّابٌ﴾ لِخَوْفِهِمْ مِن تَصْدِيقِ النّاسِ لَهُ، فَبَعَثَ أخَصَّ عِبادِهِ بِهِ إلى أخَسِّ عِبادِهِ عِنْدَهُ لِيُقِيمَ الحُجَّةَ عَلَيْهِ، وأمْهَلَهُ عِنْدَما قابَلَ بِالتَّكْذِيبِ وحَلَمَ عَنْهُ حَتّى أعْذَرَ إلَيْهِ غايَةَ الإعْذارِ.