ولَمّا كَشَفَ هَذا السِّياقُ عَنْ أنَّ هَذا الصَّرْفَ أمْرٌ لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ عاقِلٌ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ وقَعَ لِأحَدٍ غَيْرَ هَؤُلاءِ مِثْلَ هَذا؟ فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ هَذا الصَّرْفِ الغَرِيبِ البَعِيدِ عَنْ مَناهِيجِ العُقَلاءِ ﴿يُؤْفَكُ﴾ أيْ: يُصْرَفُ صَرْفًا سَيِّئًا - بَناهُ لِلْمَفْعُولِ إشارَةً إلى تَمامِ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ بِكُلِّ سَبَبٍ كانَ، ولِأنَّهُ المُتَعَجِّبُ مِنهُ ﴿الَّذِينَ كانُوا﴾ مَطْبُوعِينَ عَلى أنَّهم ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: ذِي الجَلالِ والجَمالِ ﴿يَجْحَدُونَ﴾ أيْ: يُنْكِرُونَ عِنادًا ومُكابَرَةً، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ كُلَّ مَن تَكَبَّرَ عَنْ حَقٍّ فَأنْكَرَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ عُوقِبَ بِمَسْخِ القَلْبِ وعَكْسِ الفَهْمِ، فَصارَ لَهُ الصَّرْفُ عَنْ وُجُوهِ الدَّلائِلِ إلى أقْفائِها دَيْدَنًا بِحَيْثُ يَمُوتُ كافِرًا إنْ لَمْ يَتَدارَكْهُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنهُ.