ولَمّا كانَ المُبْطِلُونَ لَيْسُوا أشَدَّ نَفْرَةً ولا أقْوى مِن بَعْضِ الحَيَواناتِ العَجَمِ، دَلَّ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ مِن نافِذِ نُصْرَتِهِ فِيهِمْ بِقَوْلِهِ مُذَكِّرًا لَهم نِعْمَتَهُ مُسْتَعْطِفًا إلى طاعَتِهِ دالًّا عَلى التَّوْحِيدِ بَعْدَ تَلْيِينِهِمْ بِالوَعِيدِ مُظْهِرًا الِاسْمَ الجامِعَ إشارَةً إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِنَ الدَّلالاتِ لا يُحْصى: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الأعْظَمُ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ﴾ لا غَيْرُهُ ﴿الأنْعامَ﴾ أيِ: الأزْواجَ الثَّمانِيَةَ بِالتَّذْلِيلِ والتَّسْخِيرِ ﴿لِتَرْكَبُوا مِنها﴾ وهي الإبِلُ مَعَ قُوَّتِها ونَفْرَتِها، والتَّعْبِيرُ بِاللّامِ في الرُّكُوبِ مُطْلَقًا ثُمَّ فِيهِ مُقَيَّدًا بِبُلُوغِ الأماكِنِ الشّاسِعَةِ إشارَةً إلى أنَّ ذَلِكَ هو المَقْصُودُ مِنها بِالذّاتِ، وهو الَّذِي اقْتَضى تَرْكِيبُها عَلى ما هي عَلَيْهِ، فَنَشَأ مِنهُ بَقِيَّةُ المَنافِعِ فَكانَتْ تابِعَةً.
ولَمّا كانَ الِاقْتِياتُ مِنها - في عَظِيمِ نَفْعِهِ وكَثْرَتِهِ وشَهْوَتِهِ - بِحَيْثُ لا يُناسِبُهُ غَيْرُهُ، عَدَّ الغَيْرَ عَدَمًا فَقالَ تَعالى: ﴿مِنها﴾ أيْ: مِنَ الأنْعامِ كُلِّها ﴿تَأْكُلُونَ﴾ بِتَقْدِيمِ الجارِّ.