(p-١٦٨)ولَمّا ذَكَرَ حالَهم في الدُّنْيا، وأشارَ إلى حالِ الآخِرَةِ، أتْبَعَهُ تَفْصِيلَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ﴾ أيِ: اذْكُرْ أيّامَ أعْداءِ اللَّهِ في الدُّنْيا في إنْزالِ عَذابِهِ بِهِمْ وإحْلالِ مُثُلاتِهِ بِساحاتِهِمْ، واذْكُرْ يَوْمَ يُحْشَرُونَ - هَكَذا كانَ الأصْلُ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ ما عَذَّبُوا بِهِ لِيَعُمَّ كُلَّ مَنِ اتَّصَفَ بِهِ مِنَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ فَقالَ: ﴿يُحْشَرُ﴾ أيْ: يَجْمَعُ بِكَثْرَةٍ بِأمْرٍ قاهِرٍ لا كُلْفَةَ عَلَيْنا فِيهِ - هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وعَلى قِراءَةِ نافِعٍ ويَعْقُوبَ بِالنُّونِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ يَكُونُ ناظِرًا إلى سِياقِ ”ونَجَّيْنا“ وفي كِلْتا القِراءَتَيْنِ مَعْنى العَظَمَةِ، فَلِذَلِكَ ناسَبَهُما الِاسْمُ الأعْظَمُ الَّذِي هو أعْظَمُ مِن مَظْهَرِ العَظَمَةِ الَّذِي وقَعَ الصَّرْفُ عَنْهُ لِما في ذِكْرِهِ مِن زِيادَةِ التَّوْبِيخِ لَهم والتَّهْجِينِ لِفِعْلِهِمْ والتَّخْسِيسِ لِعُقُولِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿أعْداءُ اللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الأعْظَمِ ولا يَخْفى إعْرابُهُ بِحَسَبِ كُلِّ قِراءَةٍ ﴿إلى النّارِ﴾ دارِ الأشْقِياءِ ﴿فَهُمْ﴾ بِسَبَبِ حَشْرِهِمْ ﴿يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يَدْفَعُونَ ويَرُدُّ بِأيْسَرِ أمْرٍ أوَّلَهم عَلى آخِرِهِمْ، ومَن يُرِيدُ أنْ يُعَرِّجَ مِنهم يَمِينًا أوْ شَمالًا ظَنًّا مِنهُ أنَّهُ قَدْ يَخْفى بِسَبَبِ كَثْرَتِهِمْ ويَزْجُرُونَ زَجْرَ إهانَةٍ، ويَجْمَعُ إلَيْهِمْ مَن شَذَّ مِنهُمْ، فَإنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ نَوْعٌ مِنَ العَذابِ.