ولَمّا اعْتَذَرُوا بِما إخْبارُهم بِهِ في هَذِهِ الدُّنْيا وعْظٌ وتَنْبِيهٌ، وفي الآخِرَةِ تَوْبِيخٌ وتَنْدِيمٌ، قالُوا مُكَرِّرِينَ لِلْوَعْظِ مُحَذِّرِينَ مِن جَمِيعِ الكَوْنِ: (p-١٧٢)﴿وما كُنْتُمْ﴾ أيْ: بِما هو لَكم كالجِبِلَّةِ ﴿تَسْتَتِرُونَ﴾ أيْ: تَتَكَفَّلُونَ السَّتْرَ عِنْدَ المَعاصِي وأنْتُمْ تَتَوَهَّمُونَ، وهو مُرادُ قَتادَةَ بِقَوْلِهِ؛ تَظُنُّونَ.
﴿أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ﴾ بِتِلْكَ المَعاصِي. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ الإبْلاغَ في الزَّجْرِ، أعادَ التَّفْصِيلَ فَقالَ: ﴿سَمْعُكُمْ﴾ وأكَّدَ بِتَكْرِيرِ النّافِي فَقالَ: ﴿ولا أبْصارُكُمْ﴾ جَمَعَ وأفْرَدَ لِما مَضى ﴿ولا جُلُودُكم ولَكِنْ﴾ إنَّما كانَ اسْتِتارُكم لِأنَّكم ﴿ظَنَنْتُمْ﴾ بِسَبَبِ إنْكارِكِمُ البَعْثَ جَهْلًا مِنكم ﴿أنَّ اللَّهَ﴾ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الكَمالِ ﴿لا يَعْلَمُ﴾ أيْ: في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: تُجَدِّدُونَ عَمَلَهُ مُسْتَمِرِّينَ عَلَيْهِ، وهو ما كُنْتُمْ تَعُدُّونَهُ خَفِيًّا فَهَذا هو الَّذِي جَرَّأكم عَلى ما فَعَلْتُمْ، فَإنْ كانَ هَذا ظَنُّكم فَهو كُفْرٌ، وإلّا كانَ عَمَلُكم عَمَلَ مَن يَظُنُّهُ فَهو قَرِيبٌ مِنَ الكُفْرِ، والمُؤْمِنُ حَقًّا مَن عَلِمَ أنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلى سِرِّهِ وجَهْرِهِ، فَلَمْ يَزَلْ مُراقِبًا خائِفًا هائِبًا، رَوى الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما واللَّفْظُ لِلْبُخارِيِّ في كِتابِ التَّوْحِيدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: اجْتَمَعَ عِنْدَ البَيْتِ ثَقَفِيّانِ وقُرَشِيٌّ أوْ قُرَشِيّانِ وثَقَفِيٌّ كَثِيرَةٌ شَحْمِ بُطُونِهِمْ قَلِيلَةٌ فَقِهَ قُلُوبِهِمْ، فَقالَ أحَدُهُمْ: أتَرَوْنَ أنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ ما نَقُولُ؟ قالَ الآخَرُ: يَسْمَعُ إنْ جَهَرْنا ولا يَسْمَعُ إنْ أخْفَيْنا، وقالَ الآخَرُ: إنْ كانَ يَسْمَعُ إذا جَهَرْنا فَإنَّهُ يَسْمَعُ إذا أخْفَيْنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وما كُنْتُمْ﴾ - الآيَةُ، قالَ (p-١٧٣)البَغَوِيُّ؛ قِيلَ: الثَّقَفِيُّ عَبَدَ يالِيلُ وخِتْناهُ، والقُرَشِيّانِ: رَبِيعَةُ وصَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ.