Nazam Al-Durar Al-Biqa'i

Multiple Ayahs

Tags

Download Links

Nazam Al-Durar Al-Biqa'i tafsir for Surah Ash-Shuraa — Ayah 21

أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمۡ يَأۡذَنۢ بِهِ ٱللَّهُۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةُ ٱلۡفَصۡلِ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۗ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢١

(p-٢٩٠)ولَمّا تَقَرَّرَ ما شَرَعَ مِنَ الدِّينِ مِمّا وصّى بِهِ جَمِيعَ النَّبِيِّينَ فَبانَتْ أُصُولُهُ، واتَّضَحَتْ فُرُوعُهُ وفُصُولُهُ، وظَهَرَتْ غَرائِبُهُ وأشْرَقَتْ فَرائِدُهُ وآياتُهُ، وخَتَمَ بِالقانُونِ الأعْظَمِ في أمْرِ الدّارَيْنِ مِمّا هو مُشاهَدٌ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَكانَ التَّقْدِيرُ مِن غَيْرِ خَفاءٍ: هَذا شَرْعُ اللهِ الَّذِي ارْتَضاهُ لِعِبادِهِ وحَكَمَ بِأنَّ الإقْبالَ عَلَيْهِ غَيْرُ ضارٍّ بِطَلَبِ الرِّزْقِ وقَدَّرَ الأرْزاقَ فَلا قُدْرَةَ لِأحَدٍ أنْ يَزِيدَ في رِزْقِهِ شَيْئًا، ولا أنْ يَنْقُصَ مِنهُ شَيْئًا، أقْبَلُوهُ؟ عادِلٌ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى مُقَرِّرًا مُوَبِّخًا مُنَبِّهًا عَلى ما هو الأصْلُ في الضَّلالِ عَنْ قَوانِينِهِ المُحَرَّرَةِ وشَرائِعِهِ الثّابِتَةِ المُقَرَّرَةِ: ﴿أمْ لَهُمْ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَرُوغُونَ يَمِينًا وشَمالًا ﴿شُرَكاءُ﴾ عَلى زَعْمِهِمْ شارَكُوا الشّارِعَ الَّذِي مَضى بَيانُ عِزَّتِهِ وظُهُورُ جَلالِهِ وعَظَمَتِهِ في أمْرِهِ حَتّى ﴿شَرَعُوا﴾ أيِ الشُّرَكاءُ الَّذِينَ طَرَقُوا ونَهَجُوا ﴿لَهُمْ﴾ أيْ لِلْكُفّارِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: شَرَعَ الكُفّارُ لِشُرَكائِهِمْ ﴿مِنَ الدِّينِ﴾ في العِباداتِ والعاداتِ الَّتِي تُقَرِّرُ في الأذْهانِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الجَزاءِ عَلَيْها لِما جَرَتْ بِهِ عَوائِدُهم عَنْ مُحاسَبَةٍ مِن تَحْتِ أيْدِيهِمْ وقَدَّرُوا لَهم مِنَ الأرْزاقِ، وعَدَلَ عَنْ أُسْلُوبِ العَظَمَةِ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ إشارَةً إلى ما فِيهِ مَعَ العَظَمَةِ (p-٢٩١)مِنَ الإكْرامِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ الحُلْمُ المُقْتَضِي لِعَدَمِ مُعاجَلَتِهِمْ بِالأخْذِ فَقالَ تَعالى: ﴿ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ أيْ يُمَكِّنُ العِبادَ مِنهُ بِأمْرِهِمْ بِهِ وتَقْرِيرِهِمْ عَلَيْهِ المَلِكُ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ، وقَدْ مَحَقَتْ صِفاتُهُ كُلَّ صِفَةٍ وتَضاءَلَ عِنْدَها كُلُّ عَظَمَةٍ، فَأقْبَلُوا عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ لِكَوْنِهِ مُعْتَدًّا بِهِ، فَإنْ كانَ كَذَلِكَ فَلْيُسْعِدُوا مَن أقْبَلَ عَلى الدُّنْيا الَّتِي هي مَحَطُّ أمْرِهِمْ فَلا يَعْرِفُونَ غَيْرَها بِأنْ يُعْطُوهُ جَمِيعَ مُرادِهِ ويُشْقُوا مَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها، ونَسَبَ الشَّرْعَ إلى الأوْثانِ لِأنَّها سَبَبُهُ كَما كانَتْ سَبَبَ الضَّلالِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ خَلِيلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] ويُضافُ الشُّرَكاءُ إلَيْهِمْ تارَةً لِأنَّهم مُتَّخِذُوها وتارَةً إلى اللهِ تَعالى لِأنَّهم أشْرَكُوهم بِهِ، والعِبارَةُ تَأْتِي بِحَسَبِ المَقامِ.

ولَمّا عَلِمَ قَطْعًا أنَّ التَّقْدِيرَ: فَلَوْلا أنَّ هَذِهِ الأفْعالَ الَّتِي يَفْعَلُونَها مِن غَيْرِ إذْنٍ مِنهُ لا تُنْقِصُ مِن مُلْكِهِ سُبْحانَهُ شَيْئًا، ولا تَضُرُّ إلّا فاعِلَها مَعَ أنَّها بِإرادَتِهِ، فَكانَتْ لِمَنعِهِمْ عَنْها لَمْ يَصِلُوا إلى شَيْءٍ مِنها، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ الَّتِي سَبَقَ في الأزَلِ أنَّها لا تَكُونُ (p-٢٩٢)ولَمّا كانَ أمْرُهم هَيِّنًا، بُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ، فَقالَ: ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ بَيْنَ الَّذِينَ امْتَثَلُوا أمْرَهُ فالتَزَمُوا شَرْعَهُ وبَيْنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ما شَرَعُوهُ لِمَن سَمَّوْهم شُرَكاءَ في أقْرَبِ وقْتٍ ولَكِنَّهُ قَدْ سَبَقَ القَضاءَ في أزَلِ الأزَلِ بِمَقادِيرِ الأشْياءِ وتَحْدِيدِها عَلى وُجُوهِ الحِكْمَةِ، فَهي تَجْرِي عَلى ما حَدَّ لَها لا تَقَدُّمَ لِشَيْءٍ مِنها ولا تَأخُّرَ ولا تَبَدُّلَ ولا تَغَيُّرَ، وسَتَنْكَشِفُ لَكُمُ الأُمُورُ وتَظْهَرُ مُخَبَّآتُ المَقْدُورِ فَلا يَقَعُ الفَصْلُ إلّا في الآخِرَةِ كَما سَبَقَ بِهِ القَضاءُ بِأنْ يَكُونَ لِلْمُقْسِطِينَ نَعِيمٌ مُقِيمٌ.

ولَمّا كانُوا يُنْكِرُونَ أنْ يَقَعَ بِهِمْ عَذابٌ، قالَ مُؤَكِّدًا عَطْفًا عَلى ما قَدَّرْتُهُ بِما أرْشَدَ إلَيْهِ السِّياقُ: ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ﴾ بِشَرْعِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ مِنَ الشِّرْكِ وغَيْرِهِ ﴿لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ مُؤْلِمٍ بَلِيغٍ إيلامُهُ.