ولَمّا أخْبَرَ عَمّا لِمَن أعْرَضَ عَنِ الآياتِ بِما [هُوَ] أجَلُّ مَوْعِظَةٍ وأرْدَعُ زاجِرٍ عَنِ الضَّلالِ، قالَ مُشِيرًا إلى ما افْتَتَحَ بِهِ الكَلامَ مِنَ المَتْلُوِّ الَّذِي هَذا مِنهُ: ﴿هَذا﴾ أيِ: التَّنْزِيلُ المَتْلُوُّ عَلَيْكم ﴿هُدًى﴾ أيْ: عَظِيمٌ جِدًّا بالِغٌ [فِي] الهِدايَةِ كامِلٌ فِيها، فالَّذِينَ اهْتَدَوْا بِآياتِ رَبِّهِمْ [لِأنَّهُمْ] لَمْ يَغْتَرُّوا بِالحاضِرِ لِكَوْنِهِ زائِلًا فاسْتَعْمَلُوا عُقُولَهم فَآمَنُوا (p-٧٤)بِهِ لَهم نَعِيمٌ مُقِيمٌ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: سَتَرُوا ما دَلَّتْهم عَلَيْهِمْ مَرائِي عُقُولِهِمْ بِهِ - هَكَذا كانَ الأصْلُ، ولَكِنَّهُ نَبَّهَ عَلى أنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مِن جُمَلِهِ، بَلْ كُلُّ كَلِمَةٍ مِن كَلِماتِهِ دَلالَةٌ واضِحَةٌ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: وهَذِهِ التَّغْطِيَةُ بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ بِالعَلاماتِ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّةِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ فَضَلُّوا عَنِ السَّبِيلِ لِتَفْرِيطِهِمْ في النَّظَرِ لِغُرُورِهِمْ بِالحاضِرِ الفانِي ﴿لَهم عَذابٌ﴾ كائِنٌ ﴿مِن رِجْزٍ﴾ [أيْ عِقابٍ] قَذِرٍ شَدِيدٍ جِدًّا عَظِيمِ القَلْقَلَةِ والِاضْطِرابِ مُتَتابِعِ الحَرَكاتِ، قالَ القَزّازُ: الرِّجْزُ والرِّجْسُ واحِدٌ ﴿ألِيمٌ﴾ أيْ: بَلِيغِ الإيلامِ، الآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الهُدى أوَّلًا دَلِيلًا عَلى الضَّلالِ ثانِيًا، والكُفْرَ والعَذابَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى ضِدِّهِما أوَّلًا، وسِرُّهُ أنَّهُ ذَكَرَ السَّبَبَ المُسْعِدَ تَرْغِيبًا فِيهِ، والمُشْقِي تَرْهِيبًا مِنهُ.