ولَمّا اتَّفَقَ قَوْمُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ والقِبْطُ بِالإهْلاكِ بِالرِّيحِ الَّتِي أثَّرَتْ بِها صَيْحَةُ ثَمُودَ، أُولَئِكَ مَعَ الحِجارَةِ والرَّمْلِ وهَؤُلاءِ بِالماءِ الَّذِي فَرَّقَهُ اللَّهُ بِالرِّيحِ عِنْدَ ضَرْبِ العَصِيِّ، وكانَ لِكُلٍّ مِنهُما مِن ضَخامَةِ المُلْكِ وعِزِّ السُّلْطانِ ما هو مَشْهُورٌ قَدَّمَ أشَدَّهُما أبْدانًا وأوْسَعَهُما مُلْكًا؛ لِأنَّ إهْلاكَهم كانَ أدَلَّ دَلِيلٍ عَلى القُدْرَةِ وأقْرَبَ شَبَهًا بِهَلاكِ ثَمُودَ فَقالَ: ﴿وعادٌ﴾ وعَطَفَ عَلَيْهِ (p-٤١٦)أقْرَبَ الطّائِفَتَيْنِ شَبَهًا بِالهَلاكِ بِقَوْمِ نُوحٍ وأصْحابِ الرَّسِّ فَقالَ: ﴿وفِرْعَوْنُ﴾ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في مادَّةِ هَذا الغَرَقِ كافِرٌ غَيْرُهُ، والنَّصُّ عَلَيْهِ يُفْهِمُ غَيْرَهُ، وما تَقَدَّمَ في غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ غَيْرَ مَرَّةٍ مِن وصْفِهِ بِأنَّهُ مَلِكٌ قاهِرٌ وأنَّهُ اسْتَخَفَّهم فَأطاعُوهُ فَيُعْلَمُ كُفْرُهم طاعَةً لَهُ، وأنَّهُ لَيُوافِقُ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْعِزَّةِ والشِّقاقِ، فَلَمْ يَدْعُ داعٍ إلى إثْباتِ ذِي الأوْتادِ. ولَمّا كانَ هَلاكُ المُؤْتَفِكاتِ جامِعًا في الشُّبْهَةِ بِهَلاكِ جَمِيعِ مَن تَقَدَّمَ بِالخَسْفِ وغَمْرَةِ الماءِ بَعْدَ القَلْبِ في الهَواءِ، أتْبَعَهم بِهِمْ مُعَبِّرًا عَنْهم بِأخْصَرَ مِن تَسْمِيَةِ قَبائِلِهِمْ أوْ مُدُنِهِمْ لِأنَّها عِدَّةُ مُدُنٍ، وعَبَّرَ بِالأُخُوَّةِ دُونَ القَوْمِ؛ لِأنَّ السِّياقَ لِتَكْذِيبِ مَن هو مِنهُمْ؛ لِأنَّهُ أدْخَلُ في التَّسْلِيَةِ فَقالَ: ﴿وإخْوانُ لُوطٍ﴾ أيْ: أصْهارُهُ الَّذِينَ جَبَرُوا بَيْنَهم وبَيْنَهُ مَعَ المُصاهَرَةِ بِالمُناصَرَةِ لِمُلُوكِهِمْ ورَعاياهم عَلى مَن ناواهم بِنَفْسِهِ وعَمِّهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ كَما مَضى بَيانُهُ في البَقَرَةِ ما صارَ كالأُخُوَّةِ، ومَعَ ذَلِكَ عامَلُوهُ بِما اشْتُقَّ مِن لَفْظِ هَذا الجَمْعِ مِنَ الجِنايَةِ لَهُ ولِأنْفُسِهِمْ وغَيْرِهِمْ.