ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَكَمْ مِن شَخْصٍ تَرَوْنَهُ في الأرْضِ مَعَ أنَّهُ في غايَةِ المَكِنَةِ فِيما يَظْهَرُ لَكم لا يَصِلُ إلى رُبْعِ ما يَتَمَنّاهُ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، مُظْهِرًا لِضَخامَةِ مُلْكِهِ وأنَّهُ لا يُبالِي بِأحَدٍ، دالًّا عَلى الكَثْرَةِ: ﴿وكَمْ مِن مَلَكٍ﴾ أيْ مُقَرَّبٍ، ودَلَّ عَلى زِيادَةِ قُرْبِهِ بِشَرَفِ مَسْكَنِهِ فَقالَ: ﴿فِي السَّماواتِ﴾ أيْ وهم في الكَرامَةِ والزُّلْفى ﴿لا تُغْنِي﴾ أيْ لا تَجْزِي وتَسُدُّ وتَكْفِي، ولَمّا كانَ رَدُّ الجَمْعِ لِحالِ اجْتِماعِهِمْ أدَلَّ عَلى العَظَمَةِ، عَبَّرَ بِما يَحْتَمِلُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿شَفاعَتُهُمْ﴾ أيْ عَنْ أحَدٍ مِنَ النّاسِ ﴿شَيْئًا﴾ فَقَصَرَ الأمْرَ ورَدَّهُ بِحَذافِيرِهِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إلا﴾ ودَلَّ بِإثْباتِ الجارِّ عَلى أنَّهُ مَعَ ما يَحُدُّهُ سُبْحانَهُ لا مُطْلَقًا فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ﴾ أيْ يُمَكِّنَ ويُرِيدَ ﴿اللَّهُ﴾ (p-٦٣)أيِ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ أصْلًا مَعَهُ، وعَبَّرَ بِأنْ والفِعْلِ دَلالَةً عَلى أنَّهُ لا عُمُومَ بَعْدَ الإذْنِ بِجَمِيعِ الأوْقاتِ، وإنَّما ذَلِكَ يُجَدَّدُ بَعْدَ تَجَدُّدِ الإذْنِ عَلى حِينِهِ وقَبْلَ الأمْرِ البابُ؟ لِعُمُومِ العَظَمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ أيْ بِتَجَدُّدِ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ بِهِ لِأنْ يَكُونُ مَشْفُوعًا أوْ شافِعًا.
ولَمّا كانَ المَلِكُ قَدْ يَأْذَنُ في الشَّفاعَةِ وهو كارِهٌ، قالَ مُعْلِمًا أنَّهُ لَيْسَ كَأُولَئِكَ: ﴿ويَرْضى﴾ فَحِينَئِذٍ تُغْنِي شَفاعَتُهم إذا كانُوا مِنَ المَأْذُونِ لَهم - كُلُّ هَذا قَطْعًا لِأطْماعِهِمْ وعَنْ قَوْلِهِمْ بِمُجَرَّدِ الهَوى أيْ آلِهَتُهم تَشْفَعُ لَهم. ولَمّا أخْبَرَ بِاتِّباعِهِمْ لِلْهَوى ونَفى أنْ يَكُونَ لَهم مِن ذَلِكَ ما يَتَمَنَّوْنَهُ دَلَّ عَلى اتِّباعِهِمْ لِلْهَوى بِقَوْلِهِ مَوْضِعَ ”أنَّهُمْ“: