ولَمّا عُلِمَ وصْفُها في ذاتِها، أتْبَعَهُ وصْفَها [بِما] يُفْعَلُ فِيهِ فَقالَ: ﴿تَنْـزِعُ﴾ أيْ تَأْخُذُ مِنَ الأرْضِ بَعْضَهم مِن وجْهِها وبَعْضَهم مِن حُفَرٍ حَفَرُوها لِيَتَمَنَّعُوا بِها مِنَ العَذابِ، وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ لِيَكُونَ نَصًّا في الذُّكُورِ، والإناثِ فَعَبَّرَ بِما هو مِنَ النَّوْسِ تَفْضِيلًا لَهم فَقالَ: ﴿النّاسَ﴾ الَّذِينَ هم صُوَرٌ لا ثَباتَ لَهم بِأرْواحِ التَّقْوى، فَتُطَيِّرُهم بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ كَأنَّهُمُ الهَباءُ المَنثُورُ، فَتَقْطَعُ رُؤُوسَهم مِن جُثَثِهِمْ وتُغَيِّرُ ألْوانَهم تَعْتِيمًا لَهم إلى السَّوادِ، ولِذا قالَ: ﴿كَأنَّهُمْ﴾ أيْ: حِينَ يُنْزَعُونَ فَيُلْقَوْنَ لا أرْواحَ فِيهِمْ كَأنَّهم ﴿أعْجازُ﴾ أيْ أُصُولُ ﴿نَخْلٍ﴾ قُطِعَتْ رُؤُوسُها، ولَمّا كانَ الحُكْمُ هُنا عَلى ظاهِرِ حالِهِمْ، وكانَ الظّاهِرُ دُونَ الباطِنِ، حَمَلَ عَلى اللَّفْظِ قَوْلَهُ: ﴿مُنْقَعِرٍ﴾ (p-١١٦)أيْ مُنْقَصِفٍ أيْ مُنْصَرِعٍ مِن أسْفَلِ قَعْرِهِ وأصْلِ مَغْرِسِهِ، والتَّشْبِيهُ يُشِيرُ إلى أنَّهم طِوالٌ قَدْ قُطِعَتْ رُؤُوسُهُمْ، وفي الحاقَّةِ وقَعَ التَّشْبِيهُ في الباطِنِ الَّذِي فِيهِ الأعْضاءُ الرَّئِيسَةُ، والمَعانِي اللَّطِيفَةُ، فَأنَّثَ الوَصْفَ حَمْلًا عَلى مَعْنى النَّخْلِ لا لِلُطْفِها - واللَّهُ أعْلَمُ.