ولَمّا كانَ المُرادُ مِنَ المُوعَظِينَ الطّاعَةَ الَّتِي هي سَبَبُ النَّجاةِ، فَلِذا (p-١٢٥)قالَ ذاكِرًا لِلْإنْعامِ مُعَبِّرًا عَنْهُ بِغايَةِ المَقْصُودِ مِنهُ مُعَرِّفًا أنَّ انْتِقامَهُ عَدْلٌ ومُعافاتَهُ فَضْلٌ، لِأنَّ أحَدًا لا يَقْدِرُ أنْ يُكافِئَ نِعَمَهُ ولا نِعْمَةً مِنها، مُعَلِّلًا لِلنَّجاةِ: ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ أيْ: عَظِيمَةً غَرِيبَةً جِدًّا لِشُكْرِهِمْ، ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ هَذا مُخْتَصٌّ بِهِمُ... الإنْجاءُ مِن بَيْنِ الظّالِمِينَ وهو مُخْتَصٌّ بِهِمْ، أجابَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ هَذا الإنْجاءِ العَظِيمِ الَّذِي جَعَلْنا جَزاءً لَهم ﴿نَجْزِي﴾ بِقُدْرَتِنا وعَظَمَتِنا ﴿مَن شَكَرَ﴾ أيْ: أوْقَعَ الشُّكْرَ بِجَمِيعِ أنْواعِهِ فَآمَنَ وأطاعَ لَيْسَ. . . بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ كائِنًا مَن كانَ مِن سُوقَةٍ أوْ سُلْطانٍ جائِرٍ شُجاعٍ أوْ جَبانٍ، فَإنَّنا عَلَيْهِ بِالإنْجاءِ بَعْدَ هَلاكِ عَدُوِّهِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: والشُّكْرُ عَلى نِعَمِ الدَّفْعِ أتَمُّ مِنَ الشُّكْرِ عَلى نِعَمِ النَّفْعِ، ولا يَعْرِفُ ذَلِكَ إلّا كُلُّ مُوَفَّقٍ كَيِّسٍ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الإنْعامَ أوَّلًا - لِأنَّهُ السَّبَبُ الحَقِيقِيُّ - دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ ثانِيًا، والشُّكْرَ ثانِيًا - لِأنَّهُ السَّبَبُ الظّاهِرُ - دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ أوَّلًا.