ولَمّا كانَتْ باحَةُ البَحْرِ لِجَرْيِ المَراكِبِ كَساحَةِ السَّماءِ لِسَيْرِ الكَواكِبِ مَعَ [ما] اقْتَضى ذِكْرُهُ مِن تَضَمُّنِ ذِكْرِ المَشارِقِ والمَغارِبِ لِلشِّتاءِ الحاصِلِ فِيهِ مِنَ الأمْطارِ ما لَوْ جَرى عَلى القِياسِ لَأفاضَ البِحارَ، فَأغْرَقَتِ البَرارِيَ والقِفارَ، وعَلَتْ عَلى الأمْصارِ وجَمِيعِ الأقْطارِ، فَقالَ: ﴿مَرَجَ﴾ أيْ: أرْسَلَ الرَّحْمَنُ ﴿البَحْرَيْنِ﴾ أيِ: المِلْحَ والعَذْبَ فَجَعَلَهُما مُضْطَرِبَيْنِ، مِن طَبْعِهِما الِاضْطِرابُ، حالَ كَوْنِهِما ﴿يَلْتَقِيانِ﴾ أيْ يَتَماسّانِ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ بِلا فَصْلٍ بَيْنَهُما في رُؤْيَةِ العَيْنِ وفي باطِنِها، فَجَعَلَ الحُلْوَ آيَةً دالَّةً (p-١٦٠)عَلى مِياهِ الجَنَّةِ، والمِلْحَ آيَةً دالَّةً عَلى بَعْضِ شَرابِ أهْلِ النّارِ لا يَرْوِي شارِبَهُ ولا يُغْنِيهِ، بَلْ يُحْرِقُ بَطْنَهُ ويُعْيِيهِ، أوْ بَحْرَيْ فارِسَ والرُّومِ هُما مُلْتَقِيانِ في البَحْرِ المُحِيطِ لِكَوْنِهِما خَلِيجَيْنِ مِنهُ.