ولَمّا كانَ رُبَّما قِيلَ: إنَّ تَرْكَهم لِنَصْرِهِمْ إنَّما هو لِخَوْفِ اللَّهِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَحْسُنُ وقْعُهُ، عَلَّلَ بِما يَنْفِي ذَلِكَ ويُظْهِرُ أنَّ مَحَطَّ نَظَرِهِمُ المَحْسُوساتُ كالبَهائِمِ فَقالَ مُؤَكِّدًا لَهُ لِأجْلِ أنَّ أهْلَ النِّفاقِ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ وكَذا مَن قَرُبَ حالُهُ مِنهُمْ: ﴿لأنْتُمْ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ ﴿أشَدُّ رَهْبَةً﴾ أيْ مِن جِهَةِ الرَّهْبَةِ وهو تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ المُبْتَدَأِ أيْ لَرَهْبَتُكُمُ الكائِنَةُ فِيهِمْ أشَدُّ وأعْظَمُ ﴿فِي صُدُورِهِمْ﴾ أيِ اليَهُودِ ومَن يَنْصُرُهم مِمّا أفاضَ إلَيْها مِن قُلُوبِهِمْ (p-٤٥٠)﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ مِن رَهْبَتِهِمُ الَّتِي يُظْهِرُونَها لَكم مِنهُ وإنْ ذَكَرُوهُ بِكُلِّ صِفَةٍ مِن صِفاتِهِ فَرَهْبَتُهم مِنكم سَبَبٌ لِإظْهارِهِمْ أنَّهم يَرْهَبُونَ اللَّهَ رِياءً لَكم.
ولَمّا كانَ هَذا مِمّا يَتَعَجَّبُ مِنهُ المُؤْمِنُ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ الغَرِيبُ وهو خَوْفُهُمُ الثّابِتُ اللّازِمُ مِن مَخْلُوقٍ مِثْلِهِمْ ضَعِيفٍ يُزَيِّنُهم لَهُ وعَدَمُ خَوْفِهِمْ مِنَ الخالِقِ عَلى ما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ في ذاتِهِ ولِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْهم ﴿بِأنَّهم قَوْمٌ﴾ [أيْ] عَلى ما لَهم مِنَ القُوَّةِ ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ أيْ لا يَتَجَدَّدُ لَهم بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ واعْتِمادِهِمْ عَلى مَكْرِهِمْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ فَهْمٌ يَشْرَحُ صُدُورَهم لِيُدْرِكُوا بِهِ أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُخْشى لا غَيْرُهُ، بَلْ هم كالحَيَواناتِ لا نَظَرَ لَهم إلى الغَيْبِ إنَّما هم مَعَ المَحْسُوساتِ، والفِقْهُ هو العِلْمُ بِمَفْهُومِ الكَلامِ ظاهِرِهِ الجَلِيِّ وغامِضِهِ الخَفِيِّ بِسُرْعَةِ فِطْنَةٍ وجَوْدَةِ قَرِيحَةٍ.