ولَمّا كانَ كُلُّ مَنِ اتَّصَفَ بِصِفَةٍ، أحَبَّ أنْ يُشارِكَهُ النّاسُ [ فِيها - ] أوْ يُقارِبُوهُ لا سِيَّما إنْ كانَتْ تِلْكَ الصِّفَةُ دَنِيَّةً لِيَسْلَمَ مِنَ العَيْبِ أوِ الِانْفِرادِ بِهِ ولِأنَّ الشَّيْءَ لَمّا داناهُ ألْفٌ قالَ: ﴿هَمّازٍ﴾ أيْ كَثِيرِ العَيْبِ لِلنّاسِ في غَيْبَتِهِمْ، وقالَ الحَسَنُ: هو الَّذِي يَغْمِزُ بِأخِيهِ في المَجْلِسِ، أيْ لِأنَّ الهَمْزَ العَضُّ والعَصْرُ والدَّفْعُ - مِنَ المِهْمازِ الَّذِي يَطْعَنُ [ بِهِ - ] في بُطُونِ الدَّوابِّ، وهو مَخْصُوصٌ بِالغِيبَةِ كَما أنَّ اللَّمْزَ مَخْصُوصٌ بِالمُواجَهَةِ.
ولَمّا كانَتِ النَّمِيمَةُ - وهي نَقْلُ الحَدِيثِ عَلى وجْهِ السِّعايَةِ - أشَدُّ الهَمْزِ أفادَ أنَّهُ يَفْعَلُهُ ولا يَقْتَصِرُ عَلى مُجَرَّدِ النَّقْلِ بَلْ يَسْعى بِهِ إلى غَيْرِهِ [ وإنْ بَعُدَ -] فَقالَ تَعالى: ﴿مَشّاءٍ﴾ أيْ كَثِيرِ المَشْيِ ﴿بِنَمِيمٍ﴾ أيْ يَنْقُلُ ما قالَهُ الإنْسانُ [ في آخِرِ -] وأذاعَهُ سِرًّا، لا يُرِيدُ صاحِبُهُ إظْهارَهُ عَلى وجْهِ الإفْسادِ لِلْبَيْنِ مُبالَغٌ في ذَلِكَ بِغايَةِ جُهْدِهِ.