ولَمّا كانَ مَن كانَ هَكَذا يُرِيدُ إعْلاءَ نَفْسِهِ بِهَضْمِ النّاسِ /، وكانَ المَنعُ لِإرادَةِ الِاسْتِئْثارِ بِالمَمْنُوعِ لِيَكُونَ الغَيْرُ مُحْتاجًا إلَيْهِ وعاكِفًا عَلَيْهِ (p-٣٠١)لِأنَّ مِن طَبْعِهِ أنَّهُ لا يَرْتَبِطُ إلّا طَمَعًا لا شُكْرًا بِضِدِّ الجَوادِ، فَإنَّهُ يَرْفَعُ نَفْسَهُ عَنِ المَطامِعِ، ولا يَرْتَبِطُ إلّا شُكْرًا عَلى الصَّنائِعِ فَيَجُودُ ظَنًّا مِنهُ أنَّ النّاسَ كَذَلِكَ، قالَ: ﴿مَنّاعٍ﴾ أيْ كَثِيرِ المَنعِ شَدِيدِهِ ﴿لِلْخَيْرِ﴾ أيْ كُلِّ خَيْرٍ مِنَ المالِ والإيمانِ وغَيْرِهِما مِن نَفْسِهِ ومَن غَيْرِهِ مِنَ الدِّينِ والدُّنْيا - إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
ولَمّا كانَ مَن يَفْعَلُ هَذِهِ المَخازِي مِنَ النّاسِ ويَقْتَصِرُ في الهَمْزِ والنَّمِّ عَلى الواقِعِ، وفي المَنعِ عَلى ما لَهُ مَنعُهُ - لَئِيمًا، بَيَّنَ أنَّهُ لا يَقْنَعُ بِذَلِكَ، بَلْ زادَ عَلَيْهِ بِبَذْلِ الجُهْدِ فِيما يَصِيرُ بِهِ ألْأمُ فَقالَ: ﴿مُعْتَدٍ﴾ أيْ ثابِتِ التَّجاوُزِ لِلْحُدُودِ في كُلِّ ذَلِكَ ﴿أثِيمٍ﴾ أيْ مَبالِغٍ في ارْتِكابِ ما يُوجِبُ الإثْمَ فَيَتْرُكُ الطَّيِّباتِ ويَأْخُذُ الخَبائِثَ ويَرْغَبُ في المَعاصِي ويَتَطَلَّبُها، ويَدَعُ الطّاعاتِ ويَزْهَدُ فِيها.