(p-٣٧٩)ولَمّا أثْبَتَ أنَّهُ قَوْلُ الرَّسُولِ الَّذِي لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى، ونَفى عَنْهُ ما قَدْ يُلَبِّسُ مِنَ الشِّعْرِ والكَهانَةِ، ولَمْ يَذْكُرْ ما كانُوا يَرْمُونَهُ بِهِ مِنَ السِّحْرِ والأضْغاثِ لِأنَّهُ عَتادٌ مَحْضٌ لا يَرْتابُ أحَدٌ فِيهِ، وكانَتِ السُّورَةُ مَقْصُودًا فِيهِ إثْباتُ الحَقائِقِ الَّتِي قَدْ تَخْفى، وصَفَهُ بِما يُحَقِّقُ ما أُرِيدَ مِن نِسْبَتِهِ إلى الرَّسُولِ ﷺ فَقالَ: ﴿تَنْـزِيلٌ﴾ [ أيْ -] عَلى وجْهِ التَّنْجِيمِ وأشارَ إلى إرْسالِهِ إلى جَمِيعِ الخَلْقِ مِن أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ مُوجِدِهِمْ ومُدَبِّرِهِمْ بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ بِما يَفْهَمُ كُلٌّ مِنهم مِن هَذا الذِّكْرِ الَّذِي رَبّاهم بِهِ، ورَتَّبَ سُبْحانَهُ نَظْمَهُ عَلى وجْهِ سَهْلِهِ عَلى كُلٍّ مِنهم شَيْئًا يَكْفِي في هِدايَتِهِ البَيانِيَّةِ بِخِلافِ الشِّعْرِ والكَهانَةِ فَإنَّهُ لا يَفْهَمُهُما إلّا قَلِيلٌ مِنَ النّاسِ لا جَمِيعُ العالَمِينَ، بَلْ كَثِيرٌ مِن أكابِرِ العُلَماءِ وحُذّاقِهِمْ رُبَّما قُرِئَ عَلى أحَدٍ مِنهُمُ الآنَ القَصِيدَةُ مِن قَصائِدِ العَرَبِ فَلا يَفْهَمُ المُرادَ مِنها ولا يَتَّضِحُ لَهُ بِوَجْهٍ.