سُورَةُ سَألَ وتُسَمّى المَعارِجُ
مَقْصُودُها إثْباتُ القِيامَةِ وإنْذارُ مَن كَفَرَ بِها وتَصْوِيرُ عَظَمَتِها بِعَظَمَةِ (p-٣٨٦)مُلْكِها وطُولِ يَوْمِها وتَسْلِيَةُ المُنْذِرِ بِها بِما لِمَن كَذَّبَهُ بِما لَهُ مِنَ الصَّغارِ والذُّلِّ والتَّبارِ، ودَلَّ عَلى وُجُوبِ وُقُوعِها سابِقًا بِما خَتَمَهُ بِتَسْمِيَتِها في السُّورَةِ الماضِيَةِ بِالحاقَّةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنها ولا مَحِيدَ عَنْها، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ بِالقُدْرَةِ في أوَّلِها والعِلْمِ في أثْنائِها والتَّنَزُّهِ عَمّا في إهْمالِها مِنَ النَّقْصِ في آخِرِها ولا خَفاءَ بِما أخْبَرَ مِن أنَّهُ أرْسَلَ جَمِيعَ رُسُلِهِ بِالتَّحْذِيرِ مِنها فَأرْسَلَ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ في الزَّمانِ الأقْدَمِ كَما ذَكَرَ في سُورَتِهِ عِنْدَ ما اخْتَلَفَ النّاسُ بَعْدَما كانُوا عَلَيْهِ في زَمانِ أبِيهِمْ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الِاتِّفاقِ عَلى الدِّينِ الحَقِّ فافْتَرَقُوا إلى مُصَدِّقٍ ومُكَذِّبٍ، فَعَلِمَ مِنهُ أنَّ مَن بَعْدَهُ أوْلى بِذَلِكَ لِقُرْبِهِمْ مِنها وأتْبَعُ ذَلِكَ الإعْلامَ أنَّهُ دَعا إلى ذَلِكَ الجِنَّ الَّذِينَ كانَ سَبِيلَهم فِيها سَبِيلُ الآدَمِيِّينَ، [ وأتْبَعَ ذَلِكَ -] -بَعْدَ إرْسالِ أوَّلِ الرُّسُلِ بِها زَمانًا- آخِرُهم زَمانًا وأوَّلُهم نُبُوَّةً حِينَ كانَ نَبِيًّا وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ، فَبَدَأ بِسُورَةِ المُزَّمِّلِ بِنَبُّوتِهِ ومَزِيدِ تَزْكِيَتِهِ وتَقْدِيسِهِ ورِفْعَتِهِ والإخْبارِ عَنْ رِسالَتِهِ والتَّحْذِيرِ مِن مُخالَفَتِهِ، وأتْبَعَ ذَلِكَ الإنْذارَ بِها بِالصَّدْعِ بِالرِّسالَةِ بِمَحْوِ كُلِّ ضَلالَةٍ، فَلَمّا تَقَرَّرَتْ نُبُوَّتُهُ وثَبَتَتْ رِسالَتُهُ عَلى أجْمَلِ الوُجُوهِ وأجْلاها (p-٣٨٧)وأبْيَنِها وأعْلاها، أشْرَفِها وأُولاها، جَعَلَ سُبْحانَهُ سُورَةَ القِيامَةِ كُلَّها لَها إعْلامًا بِأنَّ الأمْرَ [ عَظِيمٌ -] جِدًّا يَجِبُ الِاعْتِناءُ بِهِ والتَّأهُّبُ لَهُ والِاجْتِهادُ بِغايَةِ القُوَّةِ وإفْراغِ الجُهْدِ، ثُمَّ اتَّبَعَ ذَلِكَ الإنْسانُ دَلالَةً عَلى أنَّهُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ مِنَ الأكْوانِ، فَلا يُسَوَّغُ في الحِكْمَةِ أنْ يَجْعَلَهُ سُبْحانَهُ سُدًى وبَيَّنَ كَثِيرًا مِن أحْوالِها ثُمَّ أقْسَمَ في المُرْسَلاتِ أنْ أمَلاها حَقٌّ لا بُدَّ مِنهُ ولا مَندُوحَةَ عَنْهُ، ثُمَّ عَجِبَ في ”عَمَّ“ [ مِنهم -] في تَساؤُلِهِمْ عَنْها وتَعْجِيبِهِمْ مِنها ثُمَّ أقْسَمَ عَلى زَقْزَعِها في النّازِعاتِ وصُوَرٍ مِن أمْرِها وهَزاهِزِها ما أرادَ، ثُمَّ أوْلى ذَلِكَ الدَّلالَةَ في سُورَةِ عَبَسَ عَلى أنَّ مِنَ النّاسِ مِن طُبِعَ عَلى قَلْبِهِ فَلا حِيلَةَ في تَصْدِيقِهِ بِها مَعَ ما تَبَيَّنَ بِالسُّورَةِ الماضِيَةِ وغَيْرِها مِن أمْرِها، ثُمَّ صَوَّرَها في ”كُوِّرَتْ“ تَصْوِيرٌ صارَتْ مِن رَأْيِ عَيْنِ لَوْ
كَشْفَ الغِطاءِ ما ازْدادَ المُوقِنُونَ بِها يَقِينًا، ثُمَّ بَيَّنَ في الِانْفِطارِ أنَّ الأُمُورَ فِيها لَيْسَتْ عَلى مِنهاجُ الأُمُورِ هَنَّأ، بَلِ الأسْبابُ كُلُّها مُنْقَطِعَةٌ والأنْسابُ مُرْتَفِعَةٌ، والكُلُّ خاضِعُونَ مُخْبِتُونَ خاشِعُونَ، أعْظَمُهم في الدُّنْيا تَجَبُّرًا أشَدُّهم هُنالِكَ صَغارًا وتَحَسُّرًا، ثُمَّ أتْبَعُ ذَلِكَ مِن يَسْتَحِقُّ هُنالِكَ النَّكالُ.والسَّلاسِلُ والأغْلالُ، ثُمَّ أوْلاهُ رِفْعَةً أهْلُ الإيمانِ الَّذِينَ طَبَّعَهم عَلى الإقْرارِ بِها والعِرْفانِ، واسْتَمَرَّ [ عَلى -] هَذا إلى آخِرِ القُرْآنِ قَلَّ أنْ تَأْتِيَ سُورَةٌ إلّا وهي مَعْرِفَةٌ بِها غايَةَ المَعْرِفَةِ إلى أنَّ خَتْمَكَ بِالدِّينِ إشارَةٌ بِذَلِكَ إلى أنَّ مَعْرِفَتَها هي [ الدِّينُ-] (p-٣٨٨)وأشارَ في ”تُبْتُ“ إلَيْها وأتْبَعَها الإخْلاصَ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَسْلَمُ فِيها إلّا المُوَحِّدُونَ المُعاذُونَ مِنَ الفِتَنِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، المُتَّصِفُونَ بِالمَحامِدِ المُتَعاظِمَةِ المُتَكاثِرَةِ، فَآذَنَ ذَلِكَ أنَّ أكْثَرَ غايَةِ القُرْآنِ في أمْرِها العَظِيمِ الشَّأْنِ لِأنَّهُ لا كِتابَ بَعْدَ هَذا الكِتابِ يُنْتَظَرُ ولا أُمَّةَ أشْرَفُ مِن هَذِهِ تَخُصُّ بِبَيانِ أعْظَمَ مِن بَيانِها وهو أحَدُ الأوْجَهِ الَّتِي فاقَ بِها القُرْآنُ عَلى الكُتُبِ الماضِيَةِ والصُّحُفِ الكائِنَةِ في القُرُونِ الخالِيَةِ، وآذَنَ ذَلِكَ بِأنَّ الأمْرَ قَدْ قَرُبَ والهَوْلُ قَدْ دَهَمَ والخَوْفُ قَدْ قَدَحَ، لِيُشَمِّرَ أهْلُ الِاخْتِصاصِ في النَّجاةِ مِن عَذابِها والخَلاصِ حِينَ لا مَفَرَّ ولا مَلْجَأ ولاتَ حِينَ مَناصٍ، نَسْألُ اللَّهَ العافِيَةَ في يَوْمِها والعِيشَةِ الرّاضِيَةِ، وعَلى هَذا المَقْصِدِ دَلَّ اسْمُها ”سَألَ“ وكَذا المَعارِجُ وهُما أنْسَبَ ما فِيها لِلدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ، وقانا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن آفاتِها والمَهالِكِ آمِينَ ( بِسْمِ اللَّهِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي تَنْقَطِعُ الأعْناقُ والآمالُ دُونَ عَلْيائِهِ ( الرَّحِيمِ الَّذِي أوْضَحَ نِعْمَةَ البَيانِ وعَمَّ بِها وشَهَرَها حَتّى صارَتْ في الوُضُوحِ إلى حَدٍّ لا مَطْمَعَ [ لِأحَدٍ -] في [ ادِّعاءِ -] خَفائِهِ ( الرَّحِيمِ الَّذِي [ اصْطَفى -] مِن عِبادِهِ مَن وفَّقَهم [ لِلْفَهْمِ -] عَنْهُ والطّاعَةِ لَهُ، فَكانَ مِن أوْلِيائِهِ.
(p-٣٨٩)لَمّا خَتَمَ أمْرَ الطّامَّةِ الكُبْرى في الحاقَّةِ حَتّى ثَبَتَ أمْرُهُ، وتَساوى سِرُّهُ وجَهْرُهُ، ودَلَّ عَلَيْها حَتّى لَمْ يَبْقَ هُناكَ نَوْعُ لَبْسٍ في وُجُوبِ التَّفْرِقَةِ في الحِكْمَةِ بَيْنَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ، وخَتَمَ بِأنْ تَرْكَ ذَلِكَ مُنافٍ لِلْكَمالِ فِيما نَتَعارَقُهُ مِن أُمُورِ العُمّالِ بَعْدَ أنْ أخْبَرَ أنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ مِنهم مُكَذِّبِينَ، وكانَ السّائِلُ عَنْ شَيْءٍ يَدُلُّ عَلى [ أنَّ -] السّائِلَ ما فَهِمَهُ حَقَّ فَهِمِهِ، ولا اتَّصَفَ بِحَقِيقَةِ عِلْمِهِ، عَجِبَ في أوَّلِ هَذِهِ مِمَّنْ سَألَ عَنْها فَقالَ: ﴿سَألَ﴾ ودَلَّ عَلى أنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْألْ عَنْها إلّا واحِدٌ مِنَ العِبادِ لَكانَ جَدِيرًا بِالتَّعَجُّبِ مِنهُ والإنْكارِ عَلَيْهِ بِالإفْرادِ في قَوْلِهِ: ﴿سائِلٌ﴾ وهو مِنَ السُّؤالِ في قِراءَتَيْ مَن خَفَّفَ بِإبْدالِ الهَمْزَةِ ألِفًا ومِن هَمْزٍ.
ولَمّا كانَ سُؤالُهم مِن وقْتِ مَجِيءِ السّاعَةِ والعَذابِ وطَلَبُهم تَعْجِيلُ ذَلِكَ إنَّما هو اسْتِهْزاءٌ، ضِمْنَ ”سَألَ“ اسْتِهْزاءً ثُمَّ حَذَفَهُ ودَلَّ عَلَيْهِ بِحالٍ انْتَزَعَها مِنهُ وحَذَفَها ودَلَّ عَلَيْها بِما تَعَدّى بِهِ فَقالَ، أوْ أنَّهُ حَذَفَ مَفْعُولَ السُّؤالِ المُتَعَدِّي ”بِعْنَ“ لِيَعُمَّ كُلَّ مَسْؤُولٍ عَنْهُ إشارَةً إلى أنَّ [ مَن -] تَأمَّلَ الفِطْرَةَ الأُولى وما تَدْعُو إلَيْهِ مِنَ الكَمالِ فَأطاعَها فَكانَ مُسْلِمًا فاضَتْ عَلَيْهِ العُلُومُ، وبَرَقَتْ لَهُ مُتَجَلِّيهِ أشِعَّةُ الفُهُومِ، فَبَيَّنَ المُرادَ مِن دَلالَةِ النَّصِّ بِقَوْلِهِ: ﴿بِعَذابٍ﴾ أيْ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ بِسَبَبِ (p-٣٩٠)عَذابٍ أوْ مُسْتَهْزِئًا بِعَذابٍ عَظِيمٍ جِدًّا ﴿واقِعٍ﴾ وعَبَّرَ بِاللّامِ تَهَكُّمًا مِنهم مِثْلَ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٤] فَقالَ:
QUL supports exporting tafsir content in both JSON and SQLite formats.
Tafsir text may include <html> tags for formatting such as <b>,
<i>, etc.
Note:
Tafsir content may span multiple ayahs. QUL exports both the tafsir text and the ayahs it applies to.
Example JSON Format:
{
"2:3": {
"text": "tafisr text.",
"ayah_keys": ["2:3", "2:4"]
},
"2:4": "2:3"
}
"ayah_key" in "surah:ayah", e.g. "2:3" means
3rd ayah of Surah Al-Baqarah.
text: the tafsir content (can include HTML)ayah_keys: an array of ayah keys this tafsir applies toayah_key where the tafsir text can be found.
ayah_key: the ayah for which this record applies.group_ayah_key: the ayah key that contains the main tafsir text (used for shared tafsir).
from_ayah / to_ayah: start and end ayah keys for convenience (optional).ayah_keys: comma-separated list of all ayah keys that this tafsir covers.text: tafsir text. If blank, use the text from the group_ayah_key.