ولَمّا كانَ في غايَةِ السُّهُولَةِ والحَلاوَةِ لِكُلِّ مَن عَرَفَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وكانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ خَلَقَ القُوى والقَدَرَ، وجَعَلَ لِلْعَبْدِ اخْتِيارًا، قالَ مُسَبِّبًا عَنْ كَوْنِهِ مَوْضِعًا لِلتَّذَكُّرِ: ﴿فَمَن شاءَ﴾ أيْ أنْ يَذْكُرَهُ ﴿ذَكَرَهُ﴾ فَثَبَتَ في صَدْرِهِ وعَلِمَ مَعْناهُ وتَخَلَّقَ بِهِ، فَلَيْسَ أحَدٌ [يَقْدِرُ -] أنْ يَقُولَ: إنَّهُ صَعْبُ التَّرْكِيبِ عَظِيمُ التَّعْقِيدِ عَسِرُ الفَهْمِ، يَحْتاجُ في اسْتِخْراجِ المَعانِي مِنهُ إلى عِلاجٍ كَبِيرٍ ومُمارَسَةٍ طَوِيلَةٍ فَأنا مَعْذُورٌ في الوُقُوفِ عَنْهُ، بَلْ [هُوَ -] كالبَحْرِ الفُراتِ، مَن شاءَ اغْتَرَفَ، لِأنَّهُ خُوطِبَ بِهِ أُمَّةً أُمِّيَّةً لا مُمارَسَةَ لَها لِشَيْءٍ مِنَ العُلُومِ، فَسَهُلَ في لَفْظِهِ ومَعْناهُ غايَةَ السُّهُولَةِ مَعَ أنَّهُ لا يُوصَلُ إلى قَرارِهِ ولا (p-٨٠)يَطْمَعُ في مُناظَرَةِ أثَرٍ مِن آثارِهِ، بَلْ كُلَّما زادَ الإنْسانُ فِيهِ تَأمُّلًا زادَهُ مَعانِي.