ولَمّا عَظُمَ ذَلِكَ اليَوْمُ بِالسُّكُوتِ خَوْفًا مِن ذِي الجَبَرُوتِ ﴿وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨] أشارَ إلَيْهِ بِما يَسْتَحِقُّهُ زِيادَةً في عَظَمَتِهِ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ المُشارِ إلَيْهِ لِبُعْدِ مَكانَتِهِ وعِظَمِ رُتْبَتِهِ وعُلُوِّ مَنزِلَتِهِ ﴿اليَوْمُ الحَقُّ﴾ أيْ في اليَوْمِيَّةِ لِكَوْنِهِ ثابِتًا في نَفْسِهِ فَلا بُدَّ مِن كَوْنِهِ ولا زَوالَ لَهُ ثابِتًا لا مِرْيَةَ فِيهِ لِعاقِلٍ وثابِتًا كُلَّ ما أثْبَتَهُ وباطِلًا [ كُلَّ ما - ] نَفاهُ. ولَمّا قَرَّرَ مِن عَظَمَتِهِ ما يَعْجِزُ غَيْرُهُ عَنْ أنْ يُقَرِّرَ مِثْلَهُ، وكانَ قَدْ خَلَقَ القُوى والقَدَرَ والفِعْلَ بِالِاخْتِيارِ. فَكانَ مِن حَقِّ كُلِّ عاقِلٍ تَدَرُّعُ ما يُنَجّى مِنهُ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى الخَلاصِ مِنهُ وحَثًّا عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن شاءَ﴾ [ أيِ - ] الِاتِّخاذِ مِنَ المُكَلَّفِينَ الَّذِينَ أذِنَ لَهم ﴿اتَّخَذَ﴾ أيْ بِغايَةِ جُهْدِهِ ﴿إلى رَبِّهِ﴾ أيْ خالِقِهِ نَفْسِهِ المُحْسِنِ إلَيْهِ أوْ رَبِّ ذَلِكَ اليَوْمِ بِاسْتِعْمالِ قُواهُ الَّتِي أعْطاهُ اللَّهُ إيّاها في الأعْمالِ الصّالِحَةِ ﴿مَآبًا﴾ أيْ مَرْجِعًا هو المَرْجِعُ مِمّا يَحْصُلُ لَهُ فِيهِ الثَّوابُ بِالإيمانِ والطّاعَةِ، فَإنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَهم قُوَّةً واخْتِيارًا، ولَكِنْ لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنهم عَلى مَشِيئَةِ شَيْءٍ (p-٢١٥)إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ.