ثُمَّ أبْدَلَ مِنها أعْظَمَها فَقالَ: ﴿الجَوارِ الكُنَّسِ﴾ أيِ السَّيّارَةِ الَّتِي تَخْتَفِي وتَغِيبُ بِالنَّهارِ تَحْتَ ضَوْءِ الشَّمْسِ، مِن كَنْسِ الوَحْشِ - إذا دَخَلَ كَنّاسَهُ وهو بَيْتُهُ المُتَّخَذُ مِن أغْصانِ الشَّجَرِ، وقالَ الرّازِيُّ: يَكْنُسُ ويَسْتَتِرُ العَلَوِيُّ مِنها بِالسُّفْلِيِّ عِنْدَ القِراناتِ كَما تَسْتَتِرُ الظِّباءُ في الكَنّاسِ، وقالَ قَتادَةُ: تَسِيرُ بِاللَّيْلِ وتَخْنِسُ بِالنَّهارِ فَتُخْفى ولا تُرى، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ عَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، قالَ البَغَوِيُّ: وأصْلُ الخُنُوسِ الرُّجُوعُ (p-٢٨٦)[إلى - ] وراءٍ والكُنُوسُ أنْ تَأْوِي إلى مَكانِسِها. وقالَ القُشَيْرِيُّ: إنَّ ذَلِكَ غُرُوبُها، وإنَّما نَفى الإقْسامَ [بِها - ] لِأنَّها وإنْ كانَتْ عَظِيمَةً في أنْفُسِها بِما ناطَ بِها سُبْحانَهُ مِنَ المَصالِحِ وأنْتُمْ تُعَظِّمُونَها وتَغْلُونَ فِيها لِأنَّ فِيها نَقائِصَ الغَيْبُوبَةِ [و -] انْبِهارَ النُّورِ، والقُرْآنُ المُقْسَمُ لِأجْلِهِ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، بَلْ هو الغالِبُ عَلى كُلِّ ما سِواهُ مِنَ الكَلامِ [غَلَبَةً - ] هي أعْظَمُ مِن غَلَبَةِ ضِياءِ الشَّمْسِ لِنُورِ ما سِواها مِنَ الكَواكِبِ، فَلِذَلِكَ لا يَلِيقُ أنْ يُقْسِمَ بِها لِأجْلِهِ.