Tafsir Ibn Al-Qayyim

Multiple Ayahs

Tags

Download Links

Tafsir Ibn Al-Qayyim tafsir for Surah Al-Qasas — Ayah 83

تِلۡكَ ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ نَجۡعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فَسَادٗاۚ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ ٨٣

(قاعِدَة)

طالب الله والدّار الآخِرَة لا يَسْتَقِيم لَهُ سيره وطَلَبه إلّا بحبسين، حبس قلبه في طلبه ومطلوبه وحبسه عَن الِالتِفات إلى غَيره وحبس لِسانه عَمّا لا يُفِيد وحبسه على ذكر الله وما يزِيد في إيمانه ومعرفته وحبس جوارحه عَن المعاصِي والشهوات وحبسها على الواجِبات والمندوبات فَلا يُفارق الحَبْس حَتّى يلقى ربه فيخلصه من السجْن إلى أوسع فضاء وأطيبه ومَتى لم يصبر على هذَيْن الحبسين وفر مِنهُما إلى فضاء الشَّهَوات أعقبه ذَلِك الحَبْس الفظيع عند خُرُوجه من الدُّنْيا فَكل خارج من الدُّنْيا إمّا متخلص من الحَبْس وإمّا ذاهِب إلى الحَبْس وبِاللَّهِ التَّوْفِيق.

(فصل)

أصل الأخْلاق المذمومة كلها الكبر والمهانة والدناءة، وأصل الأخْلاق المحمودة كلها الخُشُوع وعلو الهمة فالفخر والبطر والأشر والعجب والحسد والبَغي والخُيَلاء والظُّلم والقَسْوَة والتجبر والإعراض وإباء قبُول النَّصِيحَة والاستئثار وطلب العُلُوّ وحب الجاه والرئاسة وأن يحمد بِما لم يفعل وأمثال ذَلِك كلها ناشئة من الكبر وأما الكَذِب والخسة والخيانة والرياء والمَكْر والخديعة والطمع والفزع والجبن والبخل والعجز والكسل والذل لغير الله واستبدال الَّذِي هو أدنى بِالَّذِي هو خير ونَحْو ذَلِك فَإنَّها من المهانة والدناءة وصغر النَّفس.

وَأما الأخْلاق الفاضلة كالصبر والشجاعة والعدْل والمروءة والعفة والصيانة والجود والحلم والعَفو والصفح والِاحْتِمال والإيثار وعزة النَّفس عَن الدناآت والتواضع والقناعة والصدق والأخلاق والمكافأة على الإحْسان بِمثلِهِ أو أفضل والتغافل عَن زلات النّاس وترك الانشغال بِما لا يعنيه وسلامة القلب من تِلْكَ الأخْلاق المذمومة ونَحْو ذَلِك فَكلها ناشئة عَن الخُشُوع وعلو الهمة والله سُبْحانَهُ أخبر عَن الأرْض بِأنَّها تكون خاشعة ثمَّ ينزل عَلَيْها الماء فتهتز وتربو وتَأْخُذ زينتها وبهجتها فَكَذَلِك المَخْلُوق مِنها إذا أصابَهُ حَظه من التَّوْفِيق.

وَأما النّار فطبعها العُلُوّ والإفساد ثمَّ تخمد فَتَصِير أحْقَر شَيْء وأذله، وكَذَلِكَ المَخْلُوق مِنها فَهي دائِما بَين العُلُوّ إذا هاجَتْ واضطربت وبَين الخسة والدناءة إذا خمدت وسكنت، والأخلاق المذمومة تابِعَة للنار والمخلوق مِنها، والأخلاق الفاضلة تابِعَة للْأرْض والمخلوق مِنها فَمن علت همته وخشعت نَفسه اتّصف بِكُل خلق جميل ومن دنت همته وطغت نَفسه اتّصف بِكُل خلق رذيل.