Tafsir Ibn Al-Qayyim

Multiple Ayahs

Tags

Download Links

Tafsir Ibn Al-Qayyim tafsir for Surah Ar-Rum — Ayah 28

ضَرَبَ لَكُم مَّثَلٗا مِّنۡ أَنفُسِكُمۡۖ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُم مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ فَأَنتُمۡ فِيهِ سَوَآءٞ تَخَافُونَهُمۡ كَخِيفَتِكُمۡ أَنفُسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٢٨

يَحْتَجُّ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِما في عُقُولِهِمْ مِن قُبْحِ كَوْنِ مَمْلُوكِ أحَدِهِمْ شَرِيكًا لَهُ، فَإذا كانَ أحَدُكم يَسْتَقْبِحُ أنْ يَكُونَ مَمْلُوكُهُ شَرِيكَهُ، ولا يَرْضى بِذَلِكَ، فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ لِي مِن عَبِيدِي شُرَكاءَ تَعْبُدُونَهم كَعِبادَتِي؟

وَهَذا يُبَيِّنُ أنَّ قُبْحَ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى مُسْتَقِرٌّ في العُقُولِ والفِطَرِ، والسَّمْعُ نَبَّهَ العُقُولَ وأرْشَدَها إلى مَعْرِفَةِ ما أُودِعَ فِيها مِن قُبْحِ ذَلِكَ.

(فصل)

اعْلَمْ أنَّ العابِدَ مُعَظِّمٌ لِمَعْبُودِهِ، مُتَألِّهٌ خاضِعٌ ذَلِيلٌ لَهُ، والرَّبُّ تَعالى وحْدَهُ هو الَّذِي يَسْتَحِقُّ كَمالَ التَّعْظِيمِ والجَلالِ والتَّألُّهِ والخُضُوعِ والذُّلِّ، وهَذا خالِصُ حَقِّهِ، فَمِن أقْبَحِ الظُّلْمِ أنْ يُعْطِيَ حَقَّهُ لِغَيْرِهِ، أوْ يُشْرِكَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ فِيهِ، ولا سِيَّما إذا كانَ الَّذِي جُعِلَ شَرِيكَهُ في حَقِّهِ هو عَبْدُهُ ومَمْلُوكُهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلًا مِن أنْفُسِكم هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكم فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهم كَخِيفَتِكم أنْفُسَكم كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٨].

أيْ: إذا كانَ أحَدُكم يَأْنَفُ أنْ يَكُونَ مَمْلُوكُهُ شَرِيكَهُ في رِزْقِهِ، فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ لِي مِن عَبِيدِي شُرَكاءَ فِيما أنا بِهِ مُنْفَرِدٌ؟ وهو الإلَهِيَّةُ الَّتِي لا تَنْبَغِي لِغَيْرِي، ولا تَصِحُّ لِسِوايَ.

فَمَن زَعَمَ ذَلِكَ فَما قَدَرَنِي حَقَّ قَدْرِي، ولا عَظَّمَنِي حَقَّ تَعْظِيمِي، ولا أفْرَدَنِي بِما أنا مُفْرَدٌ بِهِ وحْدِي دُونَ خَلْقِي، فَما قَدَرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ مَن عَبَدَ مَعَهُ غَيْرَهُ.

(فصل)

قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلًا مِن أنْفُسِكم هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكم فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهم كَخِيفَتِكم أنْفُسَكم كَذلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨)﴾

وَهَذا دَلِيلُ قِياسٍ احْتَجَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِهِ عَلى المُشْرِكِينَ حَيْثُ جَعَلُوا لَهُ مِن عَبِيدِهِ ومِلْكِهِ شُرَكاءَ، فَأقامَ عَلَيْهِمْ حُجَّةً يَعْرِفُونَ صِحَّتَها مِن نُفُوسِهِمْ، لا يَحْتاجُونَ فِيها إلى غَيْرِهِمْ، ومِن أبْلَغِ الحِجاجِ أنْ يَأْخُذَ الإنْسانُ مِن نَفْسِهِ، ويَحْتَجَّ عَلَيْهِ بِما هو في نَفْسِهِ، مُقَرَّرٌ عِنْدَها، مَعْلُومٌ لَها، فَقالَ: هَلْ لَكم مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن عَبِيدِكم وإمائِكم شُرَكاءَ في المالِ والأهْلِ؟ أيْ هَلْ يُشارِكُكم عَبِيدُكم في أمْوالِكم وأهْلِيكم فَأنْتُمْ وهم في ذَلِكَ سَواءٌ تَخافُونَ أنْ يُقاسِمُوكم أمْوالَكم ويُشاطِرُوكم إيّاها، ويَسْتَأْثِرُونَ بِبَعْضِها عَلَيْكُمْ، كَما يَخافُ الشَّرِيكُ شَرِيكَهُ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَخافُونَهم أنْ يَرِثُوكم كَما يَرِثُ بَعْضُكم بَعْضًا، والمَعْنى هَلْ يَرْضى أحَدٌ مِنكم أنْ يَكُونَ عَبْدُهُ شَرِيكَهُ في مالِهِ وأهْلِهِ حَتّى يُساوِيَهُ في التَّصَرُّفِ في ذَلِكَ فَهو يَخافُ أنْ يَنْفَرِدَ في مالِهِ بِأمْرٍ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَما يَخافُ غَيْرَهُ مِن الشُّرَكاءِ والأحْرارِ؟ فَإذا لَمْ تَرْضَوْا ذَلِكَ لِأنْفُسِكم فَلِمَ عَدَلْتُمْ بِي مِن خَلْقِي مَن هو مَمْلُوكٌ لِي؟ فَإنْ كانَ هَذا الحُكْمُ باطِلًا في فِطَرِكم وعُقُولِكم - مَعَ أنَّهُ جائِزٌ عَلَيْكم مُمْكِنٌ في حَقِّكُمْ؛ إذْ لَيْسَ عَبِيدُكم مِلْكًا لَكم حَقِيقَةً، وإنَّما هم إخْوانُكم جَعَلَهم اللَّهُ تَحْتَ أيْدِيكُمْ، وأنْتُمْ وهم عَبِيدٌ لِي - فَكَيْفَ تَسْتَجِيزُونَ مِثْلَ هَذا الحُكْمِ في حَقِّي، مَعَ أنَّ مَن جَعَلْتُمُوهم لِي شُرَكاءَ عَبِيدِي ومِلْكِي وخَلْقِي؟ فَهَكَذا يَكُونُ تَفْصِيلُ الآياتِ لِأُولِي العُقُولِ.