ثمَّ تَأمل الحِكْمَة في مقادير اللَّيْل والنَّهار تجدها على غايَة المصلحَة والحكمَة وأن مِقْدار اليَوْم واللَّيْلَة لَو زاد على ما قدر عَلَيْهِ أوْ نقص لفاتت المصلحَة، واخْتلفت الحِكْمَة بذلك بل جعل مكيالها أربعة وعشْرين ساعَة، وجعلا يتقارضان الزِّيادَة والنُّقْصان بَينهما، فَما يزِيد في أحدهما من الآخر يعود الآخر فيسترده مِنهُ قالَ الله تَعالى ﴿يولج اللَّيْل في النَّهار ويولج النَّهار في اللَّيْل﴾
وَفِيه قَولانِ:
أحدهما أن المَعْنى يدْخل ظلمَة هَذا في مَكان ضِياء ذَلِك، وضياء هَذا في مَكان ظلمَة الآخر، فَيدْخل كل واحِد مِنهُما في مَوضِع صاحبه.
وعَلى هَذا فَهي عامَّة في كل ليل ونهار.
والقَوْل الثّانِي أنه يزِيد في أحدهما ما ينقصهُ من الآخر، فَما ينقص مِنهُ يلج في الآخر لا يذهب جملَة.
وعَلى هَذا فالآية خاصَّة بِبَعْض ساعات كل من اللَّيْل والنَّهار في غير زمن الاعْتِدال فَهي خاصَّة في الزَّمان، وفي مِقْدار ما يلج في أحدهما من الآخر وهو في الأقاليم المعتدلة غايَة ما تَنْتَهِي الزِّيادَة خمس عشرَة ساعَة، فَيصير الآخر تسع ساعات، فَإذا زاد على ذَلِك انحرف ذَلِك الإقليم في الحَرارَة أوْ البُرُودَة إلى أن يَنْتَهِي إلى حد لا يسكنه الإنسان ولا يتكون فِيهِ النَّبات، وكل مَوضِع لا تقع عَلَيْهِ الشَّمْس لا يعِيش فِيهِ حَيَوان ولا نَبات لفرط برده ويبسه، وكل مَوضِع لا تفارقه كَذَلِك لفرط حره ويبسه، والمواضع الَّتِي يعِيش فِيها الحَيَوان والنبات هي الَّتِي تطلع عَلَيْها الشَّمْس وتغيب، وأعدلها المَواضِع الَّتِي تتعاقب عَلَيْها الفُصُول الأربعة ويكون فِيها اعتدالان خريفين وربيعين.