Tafsir Ibn Al-Qayyim

Multiple Ayahs

Tags

Download Links

Tafsir Ibn Al-Qayyim tafsir for Surah As-Saffat — Ayah 112

وَبَشَّرۡنَٰهُ بِإِسۡحَٰقَ نَبِيّٗا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١١٢ وَبَٰرَكۡنَا عَلَيۡهِ وَعَلَىٰٓ إِسۡحَٰقَۚ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحۡسِنٞ وَظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ مُبِينٞ ١١٣

وَتَأمل كَيفَ جاءَ في القُرْآن ﴿وَبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاق﴾ ولم يذكر إسْماعِيل

وَجاء في التَّوْراة ذكر البركَة على إسْماعِيل ولم يذكر إسْحاق كَما تقدم حكايته وعَن إسْماعِيل سَمِعتك ها أنا باركته فجاء في التَّوْراة ذكر البركَة في إسْماعِيل إيذانًا بِما حصل لِبَنِيهِ من الخَيْر والبركَة لا سيّما خاتِمَة بركتهم وأعْظَمها وأجلها برَسُول الله ﷺ فنبههم بذلك على ما يكون في بنيه من هَذِه البركَة العَظِيمَة الموافية على

لِسان المُبارك ﷺ وذكر لنا في القُرْآن بركته على إسْحاق منبهًا لنا على ما حصل في أوْلاده من نبوة مُوسى عَلَيْهِ السَّلام وغَيره وما أتوه من الكتاب والعلم مستدعيًا من عباده الإيمان بذلك والتصديق بِهِ وأن لا يهملوا معرفَة حُقُوق هَذا البَيْت المُبارك وأهل النُّبُوَّة مِنهُم ولا يَقُول القائِل هَؤُلاءِ أنْبياء بني إسْرائِيل لا تعلق لنا بهم بل يجب علينا احترامهم وتوقيرهم والإيمان بهم ومحبتهم وموالاتهم والثناء عَلَيْهِم صلوات الله وسَلامه عَلَيْهِم أجْمَعِينَ

وَلما كانَ هَذا البَيْت المُبارك المطهر أشرف بيُوت العالم على الإطْلاق خصهم الله سُبْحانَهُ وتَعالى مِنهُ بخصائص

مِنها أنه جعل فِيهِ النُّبُوَّة والكتاب فَلم يَأْتِ بعد إبْراهِيم عَلَيْهِ السَّلام نَبِي إلّا من أهل بَيته

وَمِنها أنه سُبْحانَهُ جعلهم أئِمَّة يهْدُونَ بأمْره إلى يَوْم القِيامَة فَكل من دخل الجنَّة من أوْلِياء الله بعدهمْ فَإنَّما دخل من طريقهم وبدعوتهم.

وَمِنها أنه سُبْحانَهُ اتخذ مِنهُم الخليلين إبْراهِيم ومحمدًا ﷺ عَلَيْهِما

وَقالَ تَعالى ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]

وَقالَ النَّبِي ﷺ إن الله اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَما اتخذ إبْراهِيم خَلِيلًا وهَذا من خَواص البَيْت

وَمِنها أنه سُبْحانَهُ جعل صاحب هَذا البَيْت إمامًا للْعالمين كَما قالَ تَعالى ﴿وَإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]

وَمِنها أنه أجْرى على يَدَيْهِ بِناء بَيته الَّذِي جعله قياما للنّاس وقبلة لَهُم وحجًا فَكانَ ظُهُور هَذا البَيْت من أهل هَذا البَيْت الأكرمين

وَمِنها أنه أمر عباده بِأن يصلوا على أهل هَذا البَيْت كَما صلى على أهل بَيتهمْ وسلفهم وهم إبْراهِيم وآله وهَذِه خاصَّة لَهُم

وَمِنها أنه أخرج مِنهُم الأمتين المعظمتين اللَّتَيْنِ لم تخرجا من أهل بَيت غَيرهم وهم أمة مُوسى وأمة مُحَمَّد ﷺ عَلَيْهِما وأمة مُحَمَّد ﷺ تَمام سبعين أمة هم خَيرها وأكْرمها على الله

وَمِنها أن الله سُبْحانَهُ أبقى عَلَيْهِم لِسان صدق وثناء حسنا في العالم فَلا يذكرُونَ إلّا بالثناء عَلَيْهِم والصَّلاة والسَّلام عَلَيْهِم قالَ تَعالى ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخرين سَلام على إبْراهِيم كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨-١١٠]

وَمِنها جعل أهل هَذا البَيْت فرقانًا بَين النّاس فالسعداء ابتاعهم ومحبوهم ومن تولاهم والأشقياء من أبْغضهُم وأعْرض عَنْهُم وعاداهم فالجنة لَهُم ولأتباعهم والنّار لأعدائهم ومخالفيهم.

وَمِنها أنه سُبْحانَهُ جعل ذكرهم مَقْرُونا بِذكرِهِ فَيُقال إبْراهِيم خَلِيل الله ورَسُوله ونبيه ومُحَمّد رَسُول الله وخليله ونبيه ومُوسى كليم الله ورَسُوله قالَ تَعالى لنَبيه يذكرهُ بنعمته عَلَيْهِ ﴿وَرَفَعْنا لَك ذكرك﴾

قالَ ابْن عَبّاس رَضِي الله عَنْهُما إذا ذكرت ذكرت معي فَيُقال لا إلَه إلّا الله مُحَمَّد رَسُول الله في كلمة الإسْلام وفي الأذان وفي الخطب وفي التشهدات وغير ذَلِك

وَمِنها أنه سُبْحانَهُ جعل خلاص خلقَة من شقاء الدُّنْيا والآخِرَة على أيدي أهل هَذا البَيْت فَلهم على النّاس من النعم ما لا يُمكن إحصاؤها ولا جزاؤها ولَهُم المنن الجسام في رِقاب الأوَّلين والآخرين من أهل السَّعادَة والأيادي العِظام عِنْدهم الَّتِي يجازيهم عَلَيْها الله عز وجل

وَمِنها أن كل ضرّ ونفع وعمل صالح وطاعَة لله تَعالى حصلت في العالم فَلهم من الأجر مثل أجور عامليها فسبحان من يخْتَص بفضله من يَشاء من عباده

وَمِنها أن الله سُبْحانَهُ وتَعالى سد جَمِيع الطّرق بَينه وبَين العالمين وأغلق دونهم الأبْواب فَلم يفتح أحد قطّ من طريقهم وبابهم

وَقالَ الجُنَيْد رَحمَه الله يَقُول الله عز وجل لرَسُوله ﷺ وعِزَّتِي وجَلالِي لَو أتَوْنِي من كل طَرِيق أو استفتحوا من كل باب لما فتحت لَهُم حَتّى يدخلُوا خَلفك

وَمِنها أنه سُبْحانَهُ خصهم من العلم بِما لم يخص بِهِ أهل بَيت سواهُم من العالمين فَلم يطْرق العالم أهل بَيت أعلم بِالله وأسمائه وصِفاته وأحْكامه وأفعاله وثوابه وعقابه وشرعه ومواقع رِضاهُ وغضبه ومَلائِكَته ومخلوقاته مِنهُم فسبحان من جمع لَهُم علم الأوَّلين والآخرين.

وَمِنها أنه سُبْحانَهُ خصهم من توحيده ومحبته وقربه والاختصاص بِهِ بِما لم يخْتَص بِهِ أهل بَيت سواهُم.

وَمِنها أنه سُبْحانَهُ مكن لَهُم في الأرْض واستخلفهم فِيها واطاع أهل الأرْض لَهُم ما لم يحصل لغَيرهم.

وَمِنها أنه سُبْحانَهُ أيّدهُم ونصرهم وأظفرهم بأعدائه وأعدائهم بِما لم يُؤَيّد غَيرهم.

وَمِنها أنه سُبْحانَهُ محا بهم من آثار أهل الضلال والشرك ومن الآثار الَّتِي يبغضها ويمقتها ما لم يمحه بسواهم.

وَمِنها أنه سُبْحانَهُ غرس لَهُم من المحبَّة والإجلال والتعظيم في قُلُوب العالمين ما لم يغرسه لغَيرهم.

وَمِنها أنه سُبْحانَهُ جعل آثارهم في الأرْض سَببا لبَقاء العالم وحفظه فَلا يزال العالم باقِيا ما بقيت آثارهم فَإذا ذهب آثارهم من الأرْض فَذاك أوان خراب العالم

قالَ الله تَعالى ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ والشَّهْرَ الحَرامَ والهَدْيَ والقَلائِد﴾ [المائدة: ٩٧]

قالَ ابْن عَبّاس رَضِي الله عَنْهُما في تَفْسِيرها لَو ترك النّاس كلهم الحَج لوقعت السَّماء على الأرْض

وَقالَ لَو ترك النّاس كلهم الحَج لما نظرُوا وأخْبر النَّبِي ﷺ أن في آخر الزَّمان يرفع الله بَيته من الأرْض وكَلامه من المَصاحِف وصدور الرِّجال فَلا يبْقى لَهُ في الأرْض بَيت يحجّ ولا كَلام يُتْلى فَحِينَئِذٍ يقرب خراب العالم وهَكَذا النّاس اليَوْم إنَّما قيامهم بِقِيام آثار نَبِيّهم وشرائعه بَينهم وقيام امورهم حُصُول مصالحهم واندفاع أنْواع البلاء والشَّر عَنْهُم بِحَسب ظُهُورها بَينهم وقيامها وهلاكهم وعنتهم وحلول البلاء والشَّر بهم عند تعطلها والإعراض عَنْها والتحاكم إلى غَيرها واتخاذ سواها

وَمن تَأمل تسليط الله سُبْحانَهُ على من سلطه على البِلاد والعباد من الأعْداء علم أن ذَلِك بِسَبَب تعطيلهم لدين نَبِيّهم وسننه وشرائعه فَسلط الله عَلَيْهِم من أهلكهم وانتقم مِنهُم حَتّى إن البِلاد الَّتِي لآثار الرَّسُول ﷺ وسننه وشرائعه فِيها ظُهُور دفع عَنْها بِحَسب ظُهُور ذَلِك بَينهم

وَهَذِه الخصائص وأضعاف أضعافها من آثار رَحْمَة الله وبَرَكاته على أهل هَذا البَيْت، فَلهَذا أمرنا رَسُول الله ﷺ أن نطلب لَهُ من الله تَعالى أن يبارك عَلَيْهِ وعَلى آله كَما بارك على هَذا البَيْت المُعظم صلوات الله وسَلامه عَلَيْهِم أجْمَعِينَ

وَمن بَرَكات أهل هَذا البَيْت أنه سُبْحانَهُ أظهر على أيْديهم من بَرَكات الدُّنْيا والآخِرَة ما لم يظهره على يَدي أهل بَيت غَيرهم ومن بركاتهم وخصائصهم أن الله سُبْحانَهُ أعْطاهُم من خصائصهم ما لم يُعْط غَيرهم.

فَمنهمْ من اتَّخذهُ خَلِيلًا، ومِنهُم الذَّبِيح، ومِنهُم من كَلمه تكليمًا وقربه نجيًا، ومِنهُم من آتاهُ شطر الحسن وجعله من أكْرم النّاس عَلَيْهِ، ومِنهُم من أتاهُ ملكا لم يؤته أحدا غَيره، ومِنهُم من رَفعه مَكانا عليا

وَلما ذكر سُبْحانَهُ وتَعالى هَذا البَيْت وذريته أخبر أن كلهم فَضله على العالمين

وَمن خصائصهم وبركاتهم على أهل الأرْض أن الله سُبْحانَهُ رفع العَذاب العام عَن أهل الأرْض بهم وببعثتهم وكانَت عادَته سُبْحانَهُ في أُمَم الأنْبِياء قبلهم أنهم إذا كذبُوا أنبياءهم ورسلهم أهلكهم بِعَذاب يعمهم كَما فعل بِقوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط فَلَمّا أنزل الله سُبْحانَهُ وتَعالى التَّوْراة والإنْجِيل والقُرْآن رفع بها العَذاب العام عَن أهل الأرْض وأمر بجهاد من كذبهمْ وخالفهُم فَكانَ ذَلِك نصْرَة لَهُم بِأيْدِيهِم وشفاء لصدورهم واتخاذ الشُّهَداء مِنهُم وإهلاك عدوهم بِأيْدِيهِم لتَحْصِيل محابه سُبْحانَهُ على ايديهم وحقّ بِأهْل بَيت هَذا بعض فضائلهم أن لا تزال الألسن رطبَة بِالصَّلاةِ عَلَيْهِم والسَّلام والثناء والتعظيم والقلوب ممتلئة من تعظيمهم ومحبتهم وإجلالهم وأن يعرف المُصَلِّي عَلَيْهِم أنه لَو أنْفق أنفاسه كلها في الصَّلاة عَلَيْهِم ما وفي القَلِيل من حَقهم فجزاهم الله عَن بريته أفضل الجَزاء وزادَهم في المَلأ الأعْلى تَعْظِيمًا وتشريفًا وتكريما وصلى عَلَيْهِم صَلاة دائمة لا انْقِطاع لَها وسلم تَسْلِيمًا.