Tafsir Ibn Al-Qayyim

Multiple Ayahs

Tags

Download Links

Tafsir Ibn Al-Qayyim tafsir for Surah Fussilat — Ayah 23

وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَتِرُونَ أَن يَشۡهَدَ عَلَيۡكُمۡ سَمۡعُكُمۡ وَلَآ أَبۡصَٰرُكُمۡ وَلَا جُلُودُكُمۡ وَلَٰكِن ظَنَنتُمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَا يَعۡلَمُ كَثِيرٗا مِّمَّا تَعۡمَلُونَ ٢٢ وَذَٰلِكُمۡ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمۡ أَرۡدَىٰكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٢٣

هؤلاء ظنوا أنه لا يعلم بعض الجزئيات فكيف بمن ظن أنه لا علم له، ولا سمع ولا بصر، ولا تكلم، ولا يتكلم، ولا استوى على عرشه، ولا له فعل حقيقة يدبر به الأمر، ولا له حكمة يفعل ما يفعل لأجلها؟!

وأولئك جوزوا عليه أن لا ينصر رسوله، وأن يجعل الدائرة عليه وعلى المؤمنين.

(فصل)

قال ابن القيم - بعد كلام طويل -:

وَكاتِّكالِ بَعْضِهِمْ عَلى قَوْلِهِ ﷺ حاكِيًا عَنْ رَبِّهِ

«أنا عِنْدَ حُسْنِ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي ما شاءَ»

يَعْنِي ما كانَ في ظَنِّهِ فَإنِّي فاعِلُهُ بِهِ، ولا رَيْبَ أنَّ حُسْنَ الظَّنِّ إنَّما يَكُونُ مَعَ الإحْسانِ، فَإنَّ المُحْسِنَ حَسَنُ الظَّنِّ بِرَبِّهِ أنْ يُجازِيَهُ عَلى إحْسانِهِ ولا يُخْلِفَ وعْدَهُ، ويَقْبَلَ تَوْبَتَهُ.

وَأمّا المُسِيءُ المُصِرُّ عَلى الكَبائِرِ والظُّلْمِ والمُخالَفاتِ فَإنَّ وحْشَةَ المَعاصِي والظُّلْمِ والحَرامِ تَمْنَعُهُ مِن حُسْنِ الظَّنِّ بِرَبِّهِ، وهَذا مَوْجُودٌ في الشّاهِدِ، فَإنَّ العَبْدَ الآبِقَ الخارِجَ عَنْ طاعَةِ سَيِّدِهِ لا يُحْسِنُ الظَّنَّ بِهِ، ولا يُجامِعُ وحْشَةَ الإساءَةِ إحْسانُ الظَّنِّ أبَدًا، فَإنَّ المُسِيءَ مُسْتَوْحِشٌ بِقَدْرِ إساءَتِهِ، وأحْسَنُ النّاسِ ظَنًّا بِرَبِّهِ أطْوَعُهم لَهُ.

كَما قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: إنَّ المُؤْمِنَ أحْسَنَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ فَأحْسَنَ العَمَلَ وإنَّ الفاجِرَ أساءَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ فَأساءَ العَمَلَ.

وَكَيْفَ يَكُونُ مُحْسِنُ الظَّنِّ بِرَبِّهِ مَن هو شارِدٌ عَنْهُ، حالٌّ مُرْتَحِلٌ في مَساخِطِهِ وما يُغْضِبُهُ،

مُتَعَرِّضٌ لِلَعْنَتِهِ قَدْ هانَ حَقُّهُ وأمْرُهُ عَلَيْهِ فَأضاعَهُ، وهانَ نَهْيُهُ عَلَيْهِ فارْتَكَبَهُ وأصَرَّ عَلَيْهِ؟ وكَيْفَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ مَن بارَزَهُ بِالمُحارَبَةِ، وعادى أوْلِياءَهُ، ووالى أعْداءَهُ، وجَحَدَ صِفاتَ كَمالِهِ، وأساءَ الظَّنَّ بِما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، ووَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ وظَنَّ بِجَهْلِهِ أنَّ ظاهِرَ ذَلِكَ ضَلالٌ وكُفْرٌ؟

وَكَيْفَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ مَن يَظُنُّ أنَّهُ لا يَتَكَلَّمُ ولا يَأْمُرُ ولا يَنْهى ولا يَرْضى ولا يَغْضَبُ؟

وَقَدْ قالَ اللَّهُ في حَقِّ مَن شَكَّ في تَعَلُّقِ سَمْعِهِ بِبَعْضِ الجُزْئِيّاتِ، وهو السِّرُّ مِنَ القَوْلِ: ﴿وَذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣].

فَهَؤُلاءِ لَمّا ظَنُّوا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا يَعْمَلُونَ، كانَ هَذا إساءَةً لِظَنِّهِمْ بِرَبِّهِمْ، فَأرْداهم ذَلِكَ الظَّنُّ، وهَذا شَأْنُ كُلِّ مَن جَحَدَ صِفاتِ كَمالِهِ، ونُعُوتَ جَلالِهِ، ووَصَفَهُ بِما لا يَلِيقُ بِهِ، فَإذا ظَنَّ هَذا أنَّهُ يُدْخِلُهُ الجَنَّةَ كانَ هَذا غُرُورًا وخِداعًا مِن نَفْسِهِ، وتَسْوِيلًا مِنَ الشَّيْطانِ، لا إحْسانَ ظَنٍّ بِرَبِّهِ.

فَتَأمَّلْ هَذا المَوْضِعَ، وتَأمَّلْ شِدَّةَ الحاجَةِ إلَيْهِ، وكَيْفَ يَجْتَمِعُ في قَلْبِ العَبْدِ تَيَقُّنُهُ بِأنَّهُ مُلاقٍ اللَّهَ، وأنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ ويَرى مَكانَهُ، ويَعْلَمُ سِرَّهُ وعَلانِيَتَهُ، ولا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ مِن أمْرِهِ، وأنَّهُ مَوْقُوفٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، ومَسْئُولٌ عَنْ كُلِّ ما عَمِلَ، وهو مُقِيمٌ عَلى مَساخِطِهِ مُضَيِّعٌ لِأوامِرِهِ، مُعَطِّلٌ لِحُقُوقِهِ، وهو مَعَ هَذا يُحْسِنُ الظَّنَّ بِهِ، وهَلْ هَذا إلّا مِن خِدَعِ النُّفُوسِ، وغُرُورِ الأمانِيِّ؟

وَقَدْ قالَ أبُو أُمامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ: دَخَلْتُ أنا وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَلى عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - فَقالَتْ «لَوْ رَأيْتُما رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في مَرَضٍ لَهُ، وكانَتْ عِنْدِي سِتَّةُ دَنانِيرَ، أوْ سَبْعَةٌ، فَأمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ أُفَرِّقَها، قالَتْ: فَشَغَلَنِي وجَعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى عافاهُ اللَّهُ، ثُمَّ سَألَنِي عَنْها فَقالَ: ما فَعَلْتِ؟ أكُنْتِ فَرَّقَتِ السِّتَّةَ الدَّنانِيرَ؟

فَقُلْتُ: لا واللَّهِ لَقَدْ شَغَلَنِي وجَعُكَ، قالَتْ فَدَعا بِها، فَوَضَعَها في كَفِّهِ، فَقالَ: ما ظَنُّ نَبِيِّ اللَّهِ لَوْ لَقِيَ اللَّهَ وهَذِهِ عِنْدَهُ؟ وفي لَفْظٍ: ما ظَنُّ مُحَمَّدٍ بِرَبِّهِ لَوْ لَقِيَ اللَّهَ وهَذِهِ عِنْدَهُ».

فَيا لَلَّهِ ما ظَنُّ أصْحابِ الكَبائِرِ والظَّلَمَةِ بِاللَّهِ إذا لَقَوْهُ ومَظالِمُ العِبادِ عِنْدَهُمْ؟ فَإنْ كانَ يَنْفَعُهم قَوْلُهُمْ: حَسَّنّا ظُنُونَنا بِكَ، إنَّكَ لَنْ تُعَذِّبَ ظالِمًا ولا فاسِقًا، فَلْيَصْنَعِ العَبْدُ ما شاءَ، ولِيَرْتَكِبْ كُلَّ ما نَهاهُ اللَّهُ عَنْهُ، ولِيُحْسِنْ ظَنَّهُ بِاللَّهِ، فَإنَّ النّارَ لا تَمَسُّهُ، فَسُبْحانَ اللَّهِ! ما يَبْلُغُ الغُرُورُ بِالعَبْدِ، وقَدْ قالَ إبْراهِيمُ لِقَوْمِهِ: ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ - فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٦-٨٧].

أيْ ما ظَنُّكم أنْ يَفْعَلَ بِكم إذا لَقِيتُمُوهُ وقَدْ عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ.

وَمَن تَأمَّلَ هَذا المَوْضِعَ حَقَّ التَّأمُّلِ عَلِمَ أنَّ حُسْنَ الظَّنِّ بِاللَّهِ هو حُسْنُ العَمَلِ نَفْسُهُ، فَإنَّ العَبْدَ إنَّما يَحْمِلُهُ عَلى حُسْنِ العَمَلِ ظَنُّهُ بِرَبِّهِ أنْ يُجازِيَهُ عَلى أعْمالِهِ ويُثِيبَهُ عَلَيْها ويَتَقَبَّلَها مِنهُ، فالَّذِي حَمَلَهُ عَلى العَمَلِ حُسْنُ الظَّنِّ، فَكُلَّما حَسُنَ ظَنُّهُ حَسُنَ عَمَلُهُ، وإلّا فَحُسْنُ الظَّنِّ مَعَ اتِّباعِ الهَوى عَجْزٌ، كَما في حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ والمُسْنَدِ مِن حَدِيثِ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «الكَيِّسُ مَن دانَ نَفْسَهُ وعَمِلَ لِما بَعْدَ المَوْتِ، والعاجِزُ مَن أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها، وتَمَنّى عَلى اللَّهِ».

وَبِالجُمْلَةِ فَحُسْنُ الظَّنِّ إنَّما يَكُونُ مَعَ انْعِقادِ أسْبابِ النَّجاةِ، وأمّا مَعَ انْعِقادِ أسْبابِ الهَلاكِ فَلا يَتَأتّى إحْسانُ الظَّنِّ.