Tafsir Ibn Al-Qayyim

Multiple Ayahs

Tags

Download Links

Tafsir Ibn Al-Qayyim tafsir for Surah Az-Zukhruf — Ayah 13

وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَٰجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡفُلۡكِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ مَا تَرۡكَبُونَ ١٢ لِتَسۡتَوُۥاْ عَلَىٰ ظُهُورِهِۦ ثُمَّ تَذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ رَبِّكُمۡ إِذَا ٱسۡتَوَيۡتُمۡ عَلَيۡهِ وَتَقُولُواْ سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُۥ مُقۡرِنِينَ ١٣ وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ ١٤

(فصل)

ثمَّ تَأمل الحِكْمَة البالِغَة في إعطائه سُبْحانَهُ بَهِيمَة الأنعام الأسماع والأبصار ليتم تناولها لمصالحها ويكمل انْتِفاع الإنسان بها، إذْ لَو كانَت عمياء أوْ صماء لم يتَمَكَّن من الِانْتِفاع بها.

ثمَّ سلبها العُقُول على كبر خلقها الَّتِي للإنسان ليتم تسخيره إياها، فيقودها ويصرفها حَيْثُ شاءَ.

وَلَو أُعطيت العُقُول على كبر خلقها لامتنعت من طاعَته، واستعصت عَلَيْهِ، ولم تكن مسخرة لَهُ، فَأعْطيت من التَّمْيِيز والإدراك ما تتمّ بِهِ مصلحتها، ومصلحة من ذَلِك لَهُ، وسلبت من الذِّهْن والعقل ما ميز بِهِ عَلَيْها الإنسان، وليظهر أيضا فَضِيلَة التَّمْيِيز والاختصاص.

ثمَّ تَأمل كَيفَ قادها وذللها على كبر أجسامها، ولم يكن يطيقها لَوْلا تسخيره قالَ الله تَعالى ﴿وَجعل لكم من الفلك والأنعام ما تَرْكَبُونَ لتستووا على ظُهُوره ثمَّ تَذكرُوا نعْمَة ربكُم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقولُوا سُبْحانَ الَّذِي سخر لنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقرنين﴾

أي مطيقين ضابطين وقالَ تَعالى ﴿أولم يرَوا أنا خلقنا لَهُم مِمّا عملت أيْدِينا أنعاما فهم لَها مالكون وذللناها لَهُم فَمِنها ركوبهم ومِنها يَأْكُلُون﴾

فترى البَعِير على عظم خلقته يَقُودهُ الصَّبِي الصَّغِير ذليلا منقادا، ولَو أرسل عَلَيْهِ لسواه بالأرض ولفصله عضوا عضوا، فسل المُعَطل من الَّذِي ذلله وسخره وقاده على قوته لبشر ضَعِيف من أضعف المَخْلُوقات وفرغ بذلك التسخير النَّوْع الإنساني لمصالح معاشه ومعاده، فَإنَّهُ لَو كانَ يزاول من الأعمال والأحمال ما يزاول الحَيَوان لشغل بذلك عَن كثير من الأعمال، لأنه كانَ يحْتاج مَكان الجمل الواحِد إلى عدَّة أناسي يحملون أثقاله وحمله ويعجزون عَن ذَلِك، وكانَ ذَلِك يستفرغ أوقاتهم ويصدهم عَن مصالحهم فأعينوا بِهَذِهِ الحَيَوانات مَعَ ما لهم فِيها من المَنافِع الَّتِي لا يحصيها إلا الله من الغذاء والشراب والدواء واللباس والامتعة والآلات والأواني والرُّكُوب والحرث والمَنافِع الكَثِيرَة والجمال.

ثمَّ تَأمل الحِكْمَة البالِغَة في أن جعل ظُهُور الدَّوابّ مبسوطة كَأنَّها سقف على عمد القوائم ليتهيأ ركُوبها وتستقر الحمولة عَلَيْها.

ثمَّ خُولِفَ هَذا في الإبل فَجعل ظُهُورها مسنمة معقودة كالقبو، لما خصت بِهِ من فضل القُوَّة وعظم ما تحمله والأقباء تحمل أكثر مِمّا تحمل السقوف حَتّى قيل إن عقد الأقباء إنَّما أخذ من ظُهُور الإبل.

وَتَأمل كَيفَ لما طول قَوائِم البَعِير طول عُنُقه ليتناول المرعى من قيام، فَلَو قصرت عُنُقه لم يُمكنهُ ذَلِك مَعَ طول قوائمه، وليكون أيضا طول عُنُقه موازنا للْحَمْل على ظَهره إذا اسْتَقل بِهِ، كَما ترى طول قَصَبَة القبان حَتّى قيل إن القبان إنَّما عمل من خلقه الجمل من طول عُنُقه وثقل ما يحملهُ، ولِهَذا تراهُ يمد عُنُقه إذا اسْتَقل بِالحملِ كَأنَّهُ يوازنه موازنه.