Tafsir Ibn Al-Qayyim

Multiple Ayahs

Tags

Download Links

Tafsir Ibn Al-Qayyim tafsir for Surah Adh-Dhariyat — Ayah 25

إِذۡ دَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَقَالُواْ سَلَٰمٗاۖ قَالَ سَلَٰمٞ قَوۡمٞ مُّنكَرُونَ ٢٥

الثاني: قوله تعالى: «إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ» فلم يذكر استئذانهم.

ففي هذا دليل على أنه ﷺ كان قد عرف بإكرام الضيفان واعتياد قراهم.

فصار منزله مضيفة مطروقا لمن ورده، لا يحتاج إلى الاستئذان، بل استئذان الداخل إليه دخوله.

وهذا غاية ما يكون من الكرم.

الثالث: قوله «سلام» بالرفع. وهم سلموا عليه بالنصب.

والسلام بالرفع أكمل. فإنه يدل على الجملة الاسمية الدالة على الثبوت والتجدد، والمنصوب يدل على الفعلية الدالة على الحدوث والتجدد.

فإبراهيم حياهم بتحية أحسن من تحيتهم.

فإن قولهم «سلاما» يدل على: سلمنا سلاما وقوله: «سلام» أي سلام عليكم.

الرابع: أنه حذف المبتدأ من قوله: «قوم منكرون» فإنه لما أنكرهم ولم يعرفهم احتشم من مواجهتهم بلفظ ينفر الضيف لو قال: أنتم مكرمون، فحذف المبتدأ هنا من ألطف الكلام.

الخامس: أنه بنى الفعل للمفعول، وحذف فاعله، فقال:

«منكرون» ولم يقل: إني أكرمكم.

وهو أحسن في هذا المقام، وأبعد من التنفير والمواجهة بالخشونة.

[بَحْثٌ في الرَّدِّ عَلى المُسَلِّمِ بِـ وعَلَيْكَ السَّلامُ والفَرْقُ بَيْنَهُما وبَيْنَ الرَّدِّ عَلى أهْلِ الكِتابِ]

وَكانَ يَرُدُّ عَلى المُسَلِّمِ " وعَلَيْكَ السَّلامُ " بِالواوِ، وبِتَقْدِيمِ " عَلَيْكَ " عَلى لَفْظِ السَّلامِ.

وَتَكَلَّمَ النّاسُ هاهُنا في مَسْألَةٍ، وهي لَوْ حَذَفَ الرّادُّ " الواوَ " فَقالَ: " عَلَيْكَ السَّلامُ "، هَلْ يَكُونُ صَحِيحًا؟ فَقالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمُ المتولي وغَيْرُهُ: لا يَكُونُ جَوابًا، ولا يَسْقُطُ بِهِ فَرْضُ الرَّدِّ، لِأنَّهُ مُخالِفٌ لِسُنَّةِ الرَّدِّ، ولِأنَّهُ لا يُعْلَمُ هَلْ هو رَدٌّ، أوِ ابْتِداءُ تَحِيَّةٍ؟ فَإنَّ صُورَتَهُ صالِحَةٌ لَهُما، ولِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إذا سَلَّمَ عَلَيْكم أهْلُ الكِتابِ، فَقُولُوا: " وعَلَيْكُمْ» فَهَذا تَنْبِيهٌ مِنهُ عَلى وُجُوبِ الواوِ في الرَّدِّ عَلى أهْلِ الإسْلامِ، فَإنَّ " الواوَ " في مِثْلِ هَذا الكَلامِ تَقْتَضِي تَقْرِيرَ الأوَّلِ وإثْباتَ الثّانِي، فَإذا أُمِرَ بِالواوِ في الرَّدِّ عَلى أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: السّامُ عَلَيْكُمْ، فَقالَ «إذا سَلَّمَ عَلَيْكم أهْلُ الكِتابِ، فَقُولُوا: " وعَلَيْكُمْ» فَذِكْرُها في الرَّدِّ عَلى المُسْلِمِينَ أوْلى وأحْرى.

وَذَهَبَتْ طائِفَةٌ أُخْرى إلى أنَّ ذَلِكَ رَدٌّ صَحِيحٌ، كَما لَوْ كانَ بِالواوِ، ونَصَّ عَلَيْهِ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ الكَبِيرِ، واحْتَجَّ لِهَذا القَوْلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ [الذاريات: ٢٤]

أيْ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ، لا بُدَّ مِن هَذا، ولَكِنْ حَسُنَ الحَذْفُ في الرَّدِّ، لِأجْلِ الحَذْفِ في الِابْتِداءِ، واحْتَجُّوا بِما في " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ طُولُهُ سِتُّونَ ذِراعًا، فَلَمّا خَلَقَهُ، قالَ لَهُ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلى أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنَ المَلائِكَةِ، فاسْتَمِعْ ما يُحَيُّونَكَ، فِإنَّها تَحِيَّتُكَ وتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم فَقالُوا: السَّلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللَّهِ فَزادُوهُ: " ورَحْمَةُ اللَّهِ» فَقَدْ أخْبَرَ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ هَذِهِ تَحِيَّتُهُ وتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِهِ.

قالُوا: ولِأنَّ المُسَلَّمَ عَلَيْهِ مَأْمُورٌ أنْ يُحَيِّيَ المُسَلِّمَ بِمِثْلِ تَحِيَّتِهِ عَدْلًا، وبِأحْسَنَ مِنها فَضْلًا، فَإذا رَدَّ عَلَيْهِ بِمِثْلِ سَلامِهِ، كانَ قَدْ أتى بِالعَدْلِ.

وَأمّا قَوْلُهُ «إذا سَلَّمَ عَلَيْكم أهْلُ الكِتابِ فَقُولُوا: وعَلَيْكُمْ» فَهَذا الحَدِيثُ قَدِ اخْتُلِفَ في لَفْظَةِ " الواوِ " فِيهِ، فَرُوِيَ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ، أحَدُها: بِالواوِ.

قالَ أبُو داوُدَ: كَذَلِكَ رَواهُ مالك عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينارٍ، ورَواهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينارٍ، فَقالَ فِيهِ: (فَعَلَيْكُمْ) وحَدِيثُ سفيان في " الصَّحِيحَيْنِ " ورَواهُ النَّسائِيُّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينارٍ بِإسْقاطِ " الواوِ "، وفي لَفْظٍ لمسلم والنَّسائِيِّ: فَقُلْ (عَلَيْكَ) بِغَيْرِ واوٍ.

وَقالَ الخطابي: عامَّةُ المُحَدِّثِينَ يَرْوُونَهُ (وَعَلَيْكُمْ) بِالواوِ وكانَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ يَرْوِيهِ (عَلَيْكُمْ) بِحَذْفِ الواوِ، وهو الصَّوابُ، وذَلِكَ أنَّهُ إذا حَذَفَ الواوَ صارَ قَوْلُهُمُ الَّذِي قالُوهُ بِعَيْنِهِ مَرْدُودًا عَلَيْهِمْ، وبِإدْخالِ الواوِ يَقَعُ الِاشْتِراكُ مَعَهُمْ، والدُّخُولُ فِيما قالُوا، لِأنَّ الواوَ حَرْفٌ لِلْعَطْفِ والِاجْتِماعِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ. انْتَهى كَلامُهُ.

وَما ذَكَرَهُ مِن أمْرِ الواوِ لَيْسَ بِمُشْكِلٍ، فَإنَّ " السّامَ " الأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ المَوْتُ، والمُسَلِّمُ والمُسَلَّمُ عَلَيْهِ مُشْتَرِكُونَ فِيهِ فَيَكُونُ في الإتْيانِ بِالواوِ بَيانٌ لِعَدَمِ الِاخْتِصاصِ، وإثْباتِ المُشارَكَةِ، وفي حَذْفِها إشْعارٌ بِأنَّ المُسَلِّمَ أحَقُّ بِهِ وأوْلى مِنَ المُسَلَّمِ عَلَيْهِ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ الإتْيانُ بِالواوِ هو الصَّوابَ وهو أحْسَنُ مِن حَذْفِها، كَما رَواهُ مالك وغَيْرُهُ، ولَكِنْ قَدْ فُسِّرَ السّامُ بِالسَّآمَةِ، وهي المَلالَةُ وسَآمَةُ الدِّينِ، قالُوا: وعَلى هَذا فالوَجْهُ حَذْفُ الواوِ ولا بُدَّ، ولَكِنَّ هَذا خِلافُ المَعْرُوفِ مِن هَذِهِ اللَّفْظَةِ في اللُّغَةِ؛ ولِهَذا جاءَ في الحَدِيثِ «إنَّ الحَبَّةَ السَّوْداءَ شِفاءٌ مِن كُلِّ داءٍ إلّا السّامَ» ولا يَخْتَلِفُونَ أنَّهُ المَوْتُ.

وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ المُتَحَذْلِقِينَ إلى أنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِمُ السَّلامَ بِكَسْرِ السِّينِ، وهي الحِجارَةُ، جَمْعُ سَلِمَةٍ، ورَدُّ هَذا الرَّدِّ مُتَعَيِّنٌ.

[فَصْلٌ: في هَدْيِهِ ﷺ في السَّلامِ عَلى أهْلِ الكِتابِ]

صَحَّ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ:

«لا تَبْدَءُوهم بِالسَّلامِ، وإذا لَقِيتُمُوهم في الطَّرِيقِ فاضْطَرُّوهم إلى أضْيَقِ الطَّرِيقِ»

لَكِنْ قَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا كانَ في قَضِيَّةٍ خاصَّةٍ لَمّا سارُوا إلى بَنِي قُرَيْظَةَ قالَ:

«لا تَبْدَءُوهم بِالسَّلامِ»

فَهَلْ هَذا حُكْمٌ عامٌّ لِأهْلِ الذِّمَّةِ مُطْلَقًا، أوْ يَخْتَصُّ بِمَن كانَتْ حالُهُ بِمِثْلِ حالِ أُولَئِكَ؟ هَذا مَوْضِعُ نَظَرٍ، ولَكِنْ قَدْ رَوى مسلم في " صَحِيحِهِ " مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ:

«لا تَبْدَءُوا اليَهُودَ ولا النَّصارى بِالسَّلامِ، وإذا لَقِيتُمْ أحَدَهم في الطَّرِيقِ فاضْطَرُّوهُ إلى أضْيَقِهِ»

والظّاهِرُ أنَّ هَذا حُكْمٌ عامٌّ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ والخَلَفُ في ذَلِكَ، فَقالَ أكْثَرُهُمْ: لا يُبْدَءُونَ بِالسَّلامِ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى جَوازِ ابْتِدائِهِمْ كَما يُرَدُّ عَلَيْهِمْ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبي أمامة، وابن محيريز، وهو وجْهٌ في مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَكِنْ صاحِبُ هَذا الوَجْهِ قالَ: يُقالُ لَهُ: السَّلامُ عَلَيْكَ فَقَطْ بِدُونِ ذِكْرِ الرَّحْمَةِ، وبِلَفْظِ الإفْرادِ، وقالَتْ طائِفَةٌ: يَجُوزُ الِابْتِداءُ لِمَصْلَحَةٍ راجِحَةٍ مِن حاجَةٍ تَكُونُ لَهُ إلَيْهِ، أوْ خَوْفٍ مِن أذاهُ، أوْ لِقَرابَةٍ بَيْنَهُما، أوْ لِسَبَبٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ، يُرْوى ذَلِكَ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ، وعلقمة.

وَقالَ الأوْزاعِيُّ: إنْ سَلَّمْتَ فَقَدْ سَلَّمَ الصّالِحُونَ، وإنْ تَرَكْتَ فَقَدْ تَرَكَ الصّالِحُونَ.

واخْتَلَفُوا في وُجُوبِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، فالجُمْهُورُ عَلى وُجُوبِهِ، وهو الصَّوابُ، وقالَتْ طائِفَةٌ: لا يَجِبُ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ، كَما لا يَجِبُ عَلى أهْلِ البِدَعِ وأوْلى، والصَّوابُ الأوَّلُ، والفَرْقُ أنّا مَأْمُورُونَ بِهَجْرِ أهْلِ البِدَعِ تَعْزِيرًا لَهم وتَحْذِيرًا مِنهُمْ، بِخِلافِ أهْلِ الذِّمَّةِ.

وَثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ «مَرَّ عَلى مَجْلِسٍ فِيهِ أخْلاطٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، والمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأوْثانِ، واليَهُودِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ».

وَصَحَّ عَنْهُ «أنَّهُ كَتَبَ إلى هرقل وغَيْرِهِ (السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى)»