قاسَ مَن حَمَّلَهُ سُبْحانَهُ كِتابَهُ لِيُؤْمِنَ بِهِ ويَتَدَبَّرَهُ ويَعْمَلَ بِهِ ويَدْعُوَ إلَيْهِ ثُمَّ خالَفَ ذَلِكَ ولَمْ يَحْمِلْهُ إلّا عَلى ظَهْرِ قَلْبٍ، فَقِراءَتُهُ بِغَيْرِ تَدَبُّرٍ ولا تَفَهُّمٍ ولا اتِّباعٍ ولا تَحْكِيمٍ لَهُ وعَمَلٍ بِمُوجِبِهِ، كَحِمارٍ عَلى ظَهْرِهِ زامِلَةُ أسْفارٍ لا يَدْرِي ما فِيها، وحَظُّهُ مِنها حَمْلُها عَلى ظَهْرِهِ لَيْسَ إلّا؛ فَحَظُّهُ مِن كِتابِ اللَّهِ كَحَظِّ هَذا الحِمارِ مِن الكُتُبِ الَّتِي عَلى ظَهْرِهِ؛ فَهَذا المَثَلُ وإنْ كانَ قَدْ ضُرِبَ لِلْيَهُودِ فَهو مُتَناوِلٌ مِن حَيْثُ المَعْنى لِمَن حَمَلَ القُرْآنَ فَتَرَكَ العَمَلَ بِهِ، ولَمْ يُؤَدِّ حَقَّهُ، ولَمْ يَرْعَهُ حَقَّ رِعايَتِهِ.
الغَرَضُ تَشْبِيهُ حالِ اليَهُودِ في جَهْلِها بِما مَعَها مِنَ التَّوْراةِ وآياتِها الباهِرَةِ بِحالِ الحِمارِ في جَهْلِهِ بِما يَحْمِلُ مِن أسْفارِ الحِكْمَةِ، وتُساوِي الحالَتَيْنِ عِنْدَهُ مَن حَمَلَ أسْفارَ الحِكْمَةِ وحَمَلَ ما سِواها مِنَ الأوْقارِ ولا يَشْعُرُ مِن ذَلِكَ إلّا بِما يَمُرُّ بِدُفَّيْهِ مِنَ الكَدِّ والتَّعَبِ.
وَمِن جَهْلِهِمْ [اليهود] أنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ماتَ ودَفَنَهُ مُوسى قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى: أنْتَ قَتَلْتَهُ، حَسَدْتَهُ عَلى خُلُقِهِ ولِينِهِ مِن مَحَبَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ لَهُ، قالَ: فاخْتارُوا سَبْعِينَ رَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَوَقَفُوا عَلى قَبْرِ هارُونَ، فَقالَ مُوسى: يا هارُونُ، أقُتِلْتَ أمْ مُتَّ؟ فَقالَ: بَلْ مُتُّ وما قَتَلَنِي أحَدٌ.
فَحَسْبُكَ مِن جَهالَةِ أُمَّةٍ وجَفائِهِمْ أنَّهُمُ اتَّهَمُوا نَبِيَّهم ونَسَبُوهُ إلى قَتْلِ أخِيهِ، فَقالَ مُوسى: ما قَتَلْتُهُ فَلَمْ يُصَدِّقُوهُ حَتّى أسْمَعَهم كَلامَهُ وبَرَّأهُ أخُوهُ مِمّا رَمَوْهُ بِهِ.
وَمِن جَهْلِهِمْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى شَبَّهُهم في حَمْلِهِمُ التَّوْراةَ، وعَدَمِ الفِقْهِ فِيها، والعَمَلِ بِها بِالحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا، وفي هَذا التَّشْبِيهِ مِنَ النِّداءِ عَلى جَهالَتِهِمْ وُجُوهٌ مُتَعَدِّدَةٌ مِنها:
أنَّ الحِمارَ مِن أبْلَدِ الحَيَواناتِ الَّتِي يُضْرَبُ بِها المَثَلُ في البَلادَةِ.
وَمِنها: أنَّهُ لَوْ حَمَلَ غَيْرَ الأسْفارِ مِن طَعامٍ أوْ عَلَقٍ أوْ ماءٍ لَكانَ لَهُ بِهِ شُعُورٌ ما.
وَمِنها: أنَّهم حِينَ حُمِّلُوها حَيْثُ حُمِّلُوها تَكْلِيفًا وقَهْرًا لا أنَّهم حَمَلُوها طَوْعًا واخْتِيارًا، بَلْ كانُوا كالمُكَلَّفِينَ لَمّا حُمِّلُوا لَمْ يَرْفَعُوا بِهِ رَأْسًا.
وَمِنها: أنَّهم حَيْثُ حُمِّلُوها تَكْلِيفًا وقَهْرًا لَمْ يَرْضَوْا بِها ولَمْ يَحْمِلُوها رِضاءً واخْتِيارًا، وقَدْ عَلِمُوا أنَّهم لا بُدَّ لَهم مِن حَمْلِها، وأنَّهم إنْ حَمَلُوها اخْتِيارًا كانَتْ لَهُمُ العاقِبَةُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وَمِنها: أنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى مَصالِحِ مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ وسَعادَتِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإعْراضُهم عَنِ التِزامِ ما فِيهِ سَعادَتُهم وفَلاحُهم إلى ضِدِّهِ مِن غايَةِ الجَهْلِ والغَباوَةِ، وعَدَمِ الفَطانَةِ.
وَمِن جَهْلِهِمْ وقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِمْ أنَّهم طَلَبُوا عِوَضَ المَنِّ والسَّلْوى اللَّذَيْنِ هُما مِن أطْيَبِ الأطْعِمَةِ وأنْفَقِها وأوْفَقِها لِلْغِذاءِ الصّالِحِ: البَقْلَ والقِثّاءَ والفُومَ والعَدَسَ والبَصَلَ، ومَن رَضِيَ بِاسْتِبْدالِ هَذِهِ الأغْذِيَةِ عِوَضًا عَنِ المَنِّ والسَّلْوى لَمْ يُسْتَكْثَرْ عَلَيْهِ أنْ يَسْتَبْدِلَ الكُفْرَ بِالإيمانِ، والضَّلالَةَ بِالهُدى، والغَضَبَ بِالرِّضى، والعُقُوبَةَ بِالرَّحْمَةِ، وهَذا حالُ مَن لَمْ يَعْرِفْ رَبَّهُ ولا كِتابَهُ، ولا رَسُولَهُ، ولا نَفْسَهُ.