You are reading tafsir of 2 ayahs: 62:6 to 62:7.
قال ابن القيم:
الألفاظ مشاكلة للمعاني التي أرواحها يتفرس الفطن فيها حقيقة المعنى بطبعه وحسه كما يتعرف الصادق الفراسة صفات الأرواح في الأجساد من قوالبها بفطنته وقلت يوما لشيخنا أبي العباس بن تيمية قدس الله روحه قال ابن جني: مكثت برهة إذا ورد علي لفظ آخذ معناه من نفس حروفه وصفاتها وجرسه وكيفية تركيبه ثم أكشفه فإذا هو كما ظننته أو قريبا منه.
فقال لي - رحمه الله -: وهذا كثيرا ما يقع لي، وتأمل حرف (لا) كيف تجدها لاما بعدها ألفا يمتد بها الصوت ما لم يقطعه ضيق النفس فآذن امتداد لفظها بامتداد معناها ولن يعكس ذلك فتأمله.
فإنه معنى بديع وانظر كيف جاء في أفصح الكلام كلام الله: ﴿وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا﴾ بحرف (لا) في الموضع الذي اقترن به حرف الشرط بالفعل فصار من صيغ العموم فانسحب على جميع الأزمنة وهو قوله عز وجل: ﴿إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أوْلِياءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾ كأنه يقول: متى زعموا ذلك لوقت من الأوقات أو زمن من الأزمان، وقيل لهم: تمنوا الموت فلا يتمنونه أبدا وحرف الشرط دل على هذا المعنى وحرف لا في الجواب بإزاء صيغة العموم لاتساع معنى النفي فيها وقال في سورة البقرة ﴿ولن يتمنوه﴾
فقصر من سعة النفي وقرب لأن قبله: ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ لأن (إن وكان) هنا ليست من صيغ العموم، لأن (كان) ليست بدالة على حدث، وإنما هي داخلة على المبتدأ، والخبر عبارة عن مضي الزمان الذي كان فيه ذلك الحدث فكأنه يقول عز وجل إن كان قد وجبت لكم الدار الآخرة وثبتت لكم في علم الله فتمنوا الموت الآن.
ثم قال في الجواب: ﴿ولن يتمنوه﴾ فانتظم معنى الجواب بمعنى الخطاب في الآيتين جميعا.
وليس في قوله: (أبدا) ما يناقض ما قلناه فقد يكون (أبدا) بعد فعل الحال تقول: زيد يقوم أبدا.