Tafsir Ibn Al-Qayyim

Multiple Ayahs

Tags

Download Links

Tafsir Ibn Al-Qayyim tafsir for Surah Al-Haqqah — Ayah 43

تَنزِيلٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٣

ثم أخبر سبحانه أنه تنزيل من رب العالمين وذلك يتضمن أمورًا:

أحدها أنه تعالى فوق خلقه كلهم وأن القرآن نزل من عنده.

والثاني أنه تكلم به حقيقة لقوله ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ولو كان غيره هو المتكلم به لكان من ذلك الغير.

ونظير هذا قوله ﴿وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي﴾

ونظيره قوله ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقّ﴾

وقوله ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾

وقوله ﴿تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾

وما كان من الله فليس بمخلوق.

ولا ينتقض هذا بأن الرزق والمطر وما في السماوات والأرض جميعًا منه وهو مخلوق، لأن ذلك كله أعيان قائمة بنفسها وصفات وأفعال لتلك الأعيان، فإضافتها إلى الله سبحانه وأنها منه إضافة خلق كإضافة بيته وعبده وناقته وروحه وبابه إليه.

بخلاف كلامه، فإنه لا بد أن يقوم بمتكلمه، إذ كلام من غير متكلم كسمع من غير سامع، وبصر من غير مبصر.

وذلك عين المحال فإذا أضيف إلى الرب كان بمنزلة إضافة سمعه وبصر وحياته وقدرته وعلمه ومشيئته إليه.

ومن زعم أن هذه إضافة مخلوق إلى خالق فقد زعم أن الله لا سمع له ولا بصر ولا حياة ولا قدرة ولا مشيئة تقوم به.

وهذا هو التعطيل الذي هو شر من الإشراك.

وإن زعم أن إضافة السمع والبصر والعلم والحياة والقدرة إضافة صفة إلى موصوف، فإضافة الكلام إليه إضافة مخلوق إلى خالق، فقد تناقض، وخرج عن موجب العقل والفطرة والشرع ولغات الأمم، وفرق بين متماثلين حقيقة وعقلًا وشرعًا وفطرة ولغة.

وتأمل كيف أضافه سبحانه إلى الرسول بلفظ القول، وأضافه إلى نفسه بلفظ الكلام في قوله ﴿حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾

فإن الرسول يقول للمرسل إليه ما أمر بقوله، فيقول: قلت كذا وكذا، وقلت له ما أمرتني أن أقوله كما قال المسيح ﴿ما قُلْتُ لَهم إلا ما أمَرْتَنِي بِه﴾

والمرسل يقول للرسول قل لهم كذا وكذا كما قال تعالى ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾، ﴿وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ﴾، ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾

ونظائره.

فإذا بلغ الرسول ذلك صح أن يقال قال الرسول كذا وهذا قول الرسول أي قاله مبلغًا وهذا قوله مبلغًا عن مرسله ولا يجيء في شيء من ذلك تكلم لهم بكذا وكذا ولا تكلم الرسول بكذا وكذا ولا أنه بكلام رسول كريم ولا في موضع واحد بل قيل للصديق وقد تلى آية. هذا كلامك وكلام صاحبك.

فقال ليس بكلامي ولا كلام صاحبي هذا كلام الله.

(فصل)

الأمر الثالث ما تضمنه قوله ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾

إن ربوبيته الكاملة لخلقه تأبى أن يتركهم سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يرشدهم إلى ما ينفعهم ويحذرهم ما يضرهم بل يتركهم هملًا بمنزلة الأنعام السائمة فمن زعم ذلك لم يقدر رب العالمين قدره ونسبه إلا ما لا يليق به تعالى ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾.

ثم أقام سبحانه البرهان القاطع على صدق رسوله وأنه لم يتقول عليه فيما قاله وأنه لو تقول عليه لما أقره ولعاجله بالإهلاك فإن كمال علمه وقدرته وحكمته تأبى أن يقر من تقول عليه وافترى عليه وأضل عباده واستباح دماء من كذبه وحريمهم وأموالهم وأظهر في الأرض الفساد والجور والكذب وخالف الخلق فكيف يليق بأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأقدر القادرين أن يقره على ذلك بل كيف يليق به أن يؤيده وينصره ويعليه ويظهره ويظفره بأهل الحق يسفك دماءهم ويستبيح أموالهم وأولادهم ونساءهم قائلًا إن الله أمرني بذلك وأباحه لي بل كيف يليق به أن يصدقه بأنواع التصديق كلها فيصدقه بإقراره وبالآيات المستلزمة لصدقه التي دلالتها على التصديق

كدلالة التصديق بالقول وأظهر ثم يصدقه بأنواعها كلها على اختلافها فكل آية على انفرادها مصدقة له ثم يحصل باجتماع تلك الآيات تصديق فوق تصديق كل آية بمفردها ثم يعجز الخلق عن معارضته ثم يصدقه بكلامه وقوله ثم يقيم الدلالة القاطعة على أن هذا قوله وكلامه فيشهد له بإقراره وفعله وقوله فمن أعظم المحال وأبطل الباطل وأبين البهتان أن يجوز على أحكم الحاكمين ورب العالمين أن يفعل ذلك بالكاذب المفترى عليه الذي هو شر الخلق على الإطلاق فمن جوز على الله أن يفعل هذا بشر خلقه وأكذبهم فما آمن بالله قطعًا ولا عرف الله ولا هذا هو رب العالمين ولا يحسن نسبة ذلك إلى من له مسكة من عقل وحكمة وحجة ومن فعل ذلك فقد أزرى بنفسه ونادى على جهله

وأذكر في هذا مناظرة جرت لي مع بعض اليهود قلت له بعد أن أقضى في نبوة النبي إلى أن قلت له إنكار نبوته يتضمن القدح في رب العالمين وتنقصه بأقبح التنقص فكان الكلام معكم في الرسول والكلام الآن في تنزيه الرب تعالى فقال كيف تقول مثل هذا الكلام فقلت له بيانه علي فاسمع الآن أنتم تزعمون أنه لم يكن رسولًا وإنما كان ملكًا قاهرًا قهر الناس بسيفه حتى دانوا له ومكث ثلاثًا وعشرين سنة يكذب على الله ويقول أوحى إلي ولم يوح إليه وأمرني ولم يأمره ونهاني ولم ينهه وقال الله كذا ولم يقل ذلك وأحل كذا

وحرم كذا وأوجب كذا وكره كذا ولم يحل ذلك ولا حرمه ولا أوجبه بل هو فعل ذلك من تلقاء نفسه كاذبًا مفتريًا على الله وعلى أنبيائه وعلى رسله وملائكته ثم مكث من ذلك ثلاث عشرة سنة يستعرض عباده يسفك دمائهم ويأخذ أموالهم ويسترق نساءهم وأبناءهم ولا ذنب لهم إلا الرد عليه ومخالفته وهو في ذلك كله يقول الله أمرني بذلك ولم يأمره ومع ذلك فهو ساع في تبديل أديان الرسل ونسخ شرائعهم وحل نواميسهم فهذه حاله عندكم فلا يخلو إما أن يكون الرب تعالى عالمًا بذلك مطلعًا عليه من حاله يراه ويشاهده أم لا فإن قلتم إن ذلك جميعه غائب عن الله لم يعلم به قد حتم في الرب تعالى ونسيتموه إلى الجهل المفرط إذ لم يطلع على هذا الحادث العظيم ولا علمه ولا رآه وإن قلتم بل كان ذلك بعلمه وإطلاعه ومشاهدته قيل لكم فهل كان قادرًا على أن يغير ذلك ويأخذ على يده ويحول بينه وبينه أم لا فإن قلتم ليس قادرًا على ذلك نسبتموه إلى العجز المنافي للربوبية وكان هذا الإنسان هو وأتباعه أقدر منه على تنفيذ إرادتهم وإن قلتم بل كان قادرًا ولكن مكنه ونصره وسلطه على الخلق ولم ينصر أولياءه وأتباع رسله نسبتموه إلى أعظم السفه والظلم والإخلال بالحكمة هذا لو كان مخلى بينه وبين ما فعله فكيف وهو في ذلك كله ناصره ومؤيده ومجيب دعواته

ومهلك من خالفه وكذبه ومصدقه بأنواع التصديق ومظهر الآيات على يديه التي لو اجتمع أهل الأرض كلهم على أن يأتوا بواحدة منها لما أمكنهم ولعجزوا عن ذلك وكل وقت من الأوقات يحدث له من أسباب النصر والتمكين والظهور والعلو وكثرة الأتباع أمرًا خارجًا عن العادة فظهر أن من أنكر كونه رسولًا نبيًا فقد سبب الله وقدح فيه ونسبه إلى الجهل والعجز والسفه

قلت له ولا ينتقض هذا بالملوك الظلمة الذين مكنهم الله في الأرض وقتًا ما ثم قطع دابرهم وأبطل سنتهم ومحا آثارهم وجورهم فإن أولئك لم يعيدوا شيئًا من هذا ولا أيدوا ونصروا وظهرت على أيديهم الآيات ولا صدقهم الرب تعالى بإقراره ولا بفعله ولا بقوله بل أمرهم كان بالضد من أمر الرسول كفرعون ونمرود وأضرابهما ولا ينتقص هذا بمن ادعى النبوة من الكذابين فإن حالة كانت ضد حال الرسول من كل وجه بل حالهم من أظهر الأدلة على صدق الرسول ومن حكمة الله سبحانه أن أخرج مثل هؤلاء إلى الوجود ليعلم حال الكذابين وحال الصادقين وكان ظهورهم من أبين الأدلة على صدق الرسل والفرق بين هؤلاء وبينهم فبضدها تتبين الأشياء والضد يظهر حسنه الضد فمعرفة أدلة الباطل وشبهه من أنواع أدلة الحق وبراهينه

فلما سمع ذلك قال معاذ الله لا نقول أنه ملك ظالم بل نبي كريم من اتبعه فهو من السعداء، وكذلك من اتبع موسى فهو كمن اتبع محمدا

قلت له: بطل كل ما تموهون به بعد هذا فإنكم إذا أقررتم أنه نبي صادق فلا بد من تصديقه في جميع ما أخبر به وقد علم أتباعه وأعداؤه بالضرورة أنه دعا الناس كلهم إلى الإيمان وأخبر أن من لم يؤمن به فهو كافر مخلد في النار وقاتل من لم يؤمن به من أهل الكتاب وسجل عليهم بالكفر واستباح أموالهم ودماءهم ونساءهم وأبناءهم فإن كان ذلك عدوانا منه وجور ألم يكن نبيًا وعاد الأمر إلى القدح في الرب تعالى وإن كان ذلك بأمر الله ووحيه لم يسع أحدًا مخالفته وترك أتباعه ولزم تصديقه فيما أخبر به وطاعته فيما أمر.