حَرَّمَ اللَّهُ عَلى النّارِ مَن شَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ حَقِيقَةَ الشَّهادَةِ، ومُحالٌ أنْ يَدْخُلَ النّارَ مَن تَحَقَّقَ بِحَقِيقَةِ هَذِهِ الشَّهادَةِ وقامَ بِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾.
فَيَكُونُ قائِمًا بِشَهادَتِهِ في ظاهِرِهِ وباطِنِهِ، في قَلْبِهِ وقالَبِهِ، فَإنَّ مِنَ النّاسِ مَن تَكُونُ شَهادَتُهُ مَيِّتَةً، ومِنهم مَن تَكُونُ نائِمَةً، إذا نُبِّهَتِ انْتَبَهَتْ، ومِنهم مَن تَكُونُ مُضْطَجِعَةً، ومِنهم مَن تَكُونُ إلى القِيامِ أقْرَبَ، وهي في القَلْبِ بِمَنزِلَةِ الرُّوحِ في البَدَنِ، فَرُوحٌ مَيِّتَةٌ، ورُوحٌ مَرِيضَةٌ إلى المَوْتِ أقْرَبُ، ورُوحٌ إلى الحَياةِ أقْرَبُ، ورُوحٌ صَحِيحَةٌ قائِمَةٌ بِمَصالِحِ البَدَنِ.
وَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ: «إنِّي لَأعْلَمُ كَلِمَةً لا يَقُولُها عَبْدٌ عِنْدَ المَوْتِ إلّا وجَدَتْ رُوحُهُ لَها رَوْحًا» فَحَياةُ هَذِهِ الرُّوحِ بِحَياةِ هَذِهِ الكَلِمَةِ فِيها، فَكَما أنَّ حَياةَ البَدَنِ بِوُجُودِ الرُّوحِ فِيهِ، وكَما أنَّ مَن ماتَ عَلى هَذِهِ الكَلِمَةِ فَهو في الجَنَّةِ يَتَقَلَّبُ فِيها، فَمَن عاشَ عَلى تَحْقِيقِها والقِيامِ بِها فَرُوحُهُ تَتَقَلَّبُ في جَنَّةِ المَأْوى وعَيْشُهُ وأطْيَبُ عَيْشٍ قالَ: ﴿وَأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى - فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٤٠-٤١].
فالجَنَّةُ مَأْواهُ يَوْمَ اللِّقاءِ.
وَجَنَّةُ المَعْرِفَةِ والمَحَبَّةِ والأُنْسِ بِاللَّهِ والشَّوْقِ إلى لِقائِهِ والفَرَحِ بِهِ والرِّضا بِهِ، وعَنْهُ مَأْوى رُوحِهِ في هَذِهِ الدّارِ، فَمَن كانَتْ هَذِهِ الجَنَّةُ مَأْواهُ هاهُنا، كانَتْ جَنَّةُ الخُلْدِ مَأْواهُ يَوْمَ المِيعادِ، ومَن حُرِمَ هَذِهِ الجَنَّةَ فَهو لِتِلْكَ الجَنَّةِ أشَدُّ حِرْمانًا.