You are reading tafsir of 2 ayahs: 74:43 to 74:44.
وَقَوله عَن أهل النّار ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾
لما كانَ المَقْصُود الإخْبار عَن المُسْتَحق للإطعام أنهم بخلوا عَنهُ ومنعوه حَقه من الإطْعام، وقست قُلُوبهم عَنهُ كانَ ذكره هو المَقْصُود دون المطعوم.
وتدبر هَذِه الطَّرِيقَة في القُرْآن وذكره للأهم المَقْصُود، وحذفه لغيره يطلعك على باب من أبْواب إعجازه وكَمال فَصاحَته.
وهل يلحق تارك الصوم والحج والزكاة بتارك الصلاة في وجوب قتله؟
فيه ثلاث روايات عن الإمام أحمد:
إحداها: يقتل بترك ذلك كله كما يقتل بترك الصلاة.
وحجة هذه الرواية أن الزكاة والصيام والحج من مباني الإسلام فيقتل بتركها جميعا كالصلاة، ولهذا قاتل الصديق مانعي الزكاة وقال:
"والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة إنها لقرينتها في كتاب الله".
وأيضا فإن هذه المباني من حقوق الإسلام والنبي ﷺ لم يأمر برفع القتال إلا عمن التزم كلمة الشهادة وحقها.
وأخبر أن عصمة الدم لا تثبت إلا بحق الإسلام، فهذا قتال للفئة الممتنعة، والقتل للواحد المقدوم عيله إنما هو لتركه حقوق الكلمة وشرائع الإسلام وهذا أصح الأقوال.
والرواية الثانية: لا يقتل الصلاة بترك غير الصلاة، لأن الصلاة عبادة بدنية لا تدخلها النيابة بحال، والحج والصوم والزكاة تدخلها النيابة.
ولقول عبد الله بن شقيق
"كان أصحاب محمد ﷺ شيئا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة"
ولأن الصلاة قد اختصت من سائر الأعمال بخصائص ليست لغيرها فهي أول ما فرض الله من الإسلام، ولهذا أمر النبي ﷺ نوابه ورسله أن يبدؤوا بالدعوة إليها بعد الشهادتين.
فقال لمعاذ: "ستأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأن الله فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة".
ولأنها أول ما يحاسب عليها العبد من عمله، ولأن الله فرضها في السماء ليلة المعراج، ولأنها أكثر الفروض ذكرا في القرآن، ولأن أهل النار لما يسألون ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾
لم يبدؤوا ترك الصلاة، ولأن فرضها لا يسقط عن العبد بحال دون حال ما دام عقله معه، بخلاف سائر الفروض، فإنها تجب في حال دون حال.
ولأنها عمود فسطاط الإسلام، وإذا سقط الفسطاط وقع الفسطاط.
ولأنها آخر ما يفقد من الدين.
ولأنها فرض على الحر والعبد والذكر والأنثى، والحاضر والمسافر، والصحيح والمريض، والغني والفقير.
ولم يكن رسول الله ﷺ يقبل من أجابه إلى الإسلام إلا بالتزام الصلاة، كما قال قتادة عن يروي لم يكن رسول الله ﷺ يقبل من أجابه إلى الإسلام إلا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة.
ولأن قبول سائر الأعمال موقوف على فعلها، فلا يقبل الله من تاركها صوما ولا حجا ولا صدقة ولا جهادا ولا شيئا من الأعمال كما قال عون بن عبد الله
"إن العبد إذا دخل قبره سئل عن صلاته أول شيء يسأل عنه، فإن جازت له نظر فيما سوى ذلك من عمله.
وإن لم تجز له لم ينظر في شيء من عمله بعد"
ويدل على هذا الحديث الذي في المسند والسنن من رواية أبي هريرة عن النبي ﷺ:
"أول ما يحاسب به العبد من عمله يحاسب بصلاته فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقط فقد خاب وخسر".
ولو قبل منه شيء من أعمال البر لم يكن من الخائبين الخاسرين.
الرواية الثالثة: يقتل بترك الزكاة والصيام، ولا يقتل بترك الحج لأنه مختلف فيه هل هو على الفور أو على التراخي؟
فمن قال هو على التراخي قال كيف يقتل بأمر موسع له في تأخيره؟
وهذا المأخذ ضعيف جدا لأن من يقتله بتركه لا يقتله بمجرد التأخير، وإنما صورة المسألة أن يعزم على ترك الحج، ويقول هو واجب علي ولا أحج أبدا.
فهذا موضوع النزاع والصواب القول بقتله، لأن الحج من حقوق الإسلام، والعصمة تثبت لمن تكلم بالإسلام إلا بحقه، والحج أعظم حقوقه.