ولما كان الغالب على بني إسرائيل حكم الحس ذكر ذلك مطابقًا للواقع، ولما كان الغالب على الأمة الكاملة حكم العقل ذكرها على الترتيب العقلي وأقسم بها على بداية الإنسان ونهايته فقال ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنسان في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾
أي في أحسن صورة وشكل واعتدال معتدل القامة مستوى الخلقة كامل الصورة أحسن من كل حيوان سواه والتقويم تصيير الشيء على ما ينبغي أن يكون في التأليف والتعديل وذلك صنعته تبارك وتعالى في قبضة من تراب وخلقه بالمشاهدة من نطفة من ماء وذلك من أعظم الآيات الدالة على وجوده وقدرته وحكمته وعلمه وصفات كماله ولهذا يكررها كثيرًا في القرآن لمكان العبرة بها والاستدلال بأقرب الطرق على وحدانيته وعلى المبدأ والمعاد
وتضمن إقسامه بتلك الأمكنة الثلاثة الدالة عليه وعلى علمه وحكمته عنايته بخلقه بأن أرسل منها رسلًا أنزل عليهم كتبه يعرفون العباد بربهم وحقوقه عليهم وينذرونهم بالله ونقمته ويدعونهم إلى كرامته وثوابه
يا من هو من أرْباب الخِبْرَة هَل عرفت قيمَة نَفسك إنَّما خلقت الأكوان كلها لَك
يا من غذي بلبان البر وقلب بأيدي الألطاف كل الأشْياء شَجَرَة، وأنت الثَّمَرَة
وَصُورَة وأنت المَعْنى، وصدف وأنت الدّرّ، ومخيض وأنت الزّبد
منشور اختيارنا لَك واضح الخط ولَكِن استخراجك ضَعِيف
مَتى رمت طلبي فاطلبني عنْدك اطلبني مِنك تجدني قَرِيبا، ولا تطلبني من غَيْرك، فَأنا أقرب إلَيْك مِنهُ
لَو عرفت قدر نَفسك عندنا ما أهنتها بِالمَعاصِي، إنَّما أبعدنا إبْلِيس إذْ لم يسْجد لَك وأنت في صلب أبِيك فوا عجبا كَيفَ صالحته وتَرَكتنا؟!