﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ هو في الأصْلِ الوَسَخُ والقَذَرُ، وعَنْ قُطْرُبٍ تَفَثَ الرَّجُلُ كَثُرَ وسَخُهُ في سَفَرِهِ، وقالَ أبُو مُحَمَّدٍ البَصْرِيُّ: التَّفَثُ مِنَ التَفِّ وهو وسَخُ الأظْفارِ وقُلِبَتِ الفاءُ ثاءً كَما في مُغْثُورٍ، وفَسَّرَهُ جَمْعٌ هُنا بِالشُّعُورِ والأظْفارِ الزّائِدَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، والقَضاءُ في الأصْلِ القَطْعُ والفَصْلُ وأُرِيدَ بِهِ الإزالَةُ مَجازًا أيْ لِيُزِيلُوا ذَلِكَ بِتَقْلِيمِ الأظْفارِ والأخْذِ مِنَ الشَّوارِبِ والعارِضَيْنِ كَما في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ونَتْفِ الإبِطِ وحَلْقِ الرَّأْسِ والعانَةِ، وقِيلَ: القَضاءُ مُقابِلُ الأداءِ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ لِيَقْضُوا إزالَةَ تَفَثِهِمْ، والتَّعْبِيرُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ لِمُضِيِّ زَمانِ إزالَتِهِ عُدَّ الفِعْلُ قَضاءً لِما فاتَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهُ قالَ: التَّفَثُ النُّسُكُ كُلُّهُ مِنَ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ والسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ ورَمْيِ الجِمارِ، والقَضاءُ عَلى هَذا بِمَعْنى الأداءِ كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ لِيُؤَدُّوا نُسُكَهم. وكانَ التَّعْبِيرُ عَنِ النُّسُكَ بِالتَّفَثِ لِما أنَّهُ يَسْتَدْعِي حُصُولَهُ فَإنَّ الحُجّاجَ ما لَمْ يَحِلُّوا شُعْثٌ غُبْرٌ وهو كَما تَرى، وقَدْ يُقالُ: إنَّ المُرادَ مِن إزالَةِ التَّفَثِ بِالمَعْنى السّابِقِ قَضاءُ المَناسِكِ كُلِّها لِأنَّها لا تَكُونُ إلّا بَعْدَهُ فَكَأنَّهُ أرادَ أنَّ قَضاءَ التَّفَثِ هو قَضاءُ النُّسُكِ كُلِّهِ بِضَرْبٍ مِنَ التَّجَوُّزِ ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: قَضاءُ التَّفَثِ قَضاءُ النُّسُكِ كُلِّهِ.
﴿ولْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ ما يُنْذِرُونَهُ مِن أعْمالِ البِرِّ في حَجِّهِمْ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِما يُنْذِرُونَهُ مِن نَحْرِ البُدْنِ، وعَنْ عِكْرِمَةَ هي مُواجِبُ الحَجِّ، وعَنْ مُجاهِدٍ ما وجَبَ مِنَ الحَجِّ والهَدْيِ وما نَذَرَهُ الإنْسانُ مِن شَيْءٍ يَكُونُ في الحَجِّ فالنَّذْرُ بِمَعْنى الواجِبِ مُطْلَقًا مَجازًا. وقَرَأ شُعْبَةُ عَنْ عاصِمٍ «ولْيُوَفُّوا» مُشَدَّدًا ﴿ولْيَطَّوَّفُوا﴾ طَوافَ الإفاضَةِ وهو طَوافُ الزِّيارَةِ الَّذِي هو مِن أرْكانِ الحَجِّ وبِهِ تَمامُ التَّحَلُّلِ فَإنَّهُ قَرِينَةُ قَضاءِ التَّفَثِ بِالمَعْنى السّابِقِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ وجَماعَةٍ بَلْ قالَ الطَّبَرِيُّ وإنْ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ: لا خِلافَ بَيْنِ المُتَأوِّلِينَ في أنَّهُ طَوافُ الإفاضَةِ ويَكُونُ ذَلِكَ يَوْمَ النَّحْرِ، وقِيلَ: طَوافُ الصَّدْرِ وهو طَوافُ الوَداعِ وفي عِدَّةٍ مِنَ المَناسِكِ خِلافٌ ﴿بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ أخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ««إنَّما سَمّى اللَّهُ صفحة 147
وبَعْضُ المُلْحِدِينَ زَعَمُوا أنَّهُ بُنِيَ في شَرَفِ زُحَلَ والطّالِعُ الدَّلْوُ أحَدُ بَيْتَيْهِ ولَهُ مُناظَراتٌ سَعِيدَةٌ فاقْتَضى ذَلِكَ حِفْظَهُ مِنَ الجَبابِرَةِ وبَقاءَهُ مُعَظَّمًا الدَّهْرَ الطَّوِيلَ ويُسَمُّونَهُ لِذَلِكَ بَيْتَ زُحَلَ، وقَدْ ضَلُّوا بِذَلِكَ ضَلالًا بَعِيدًا، وسَنُبَيِّنُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى خَطَأ مَن يَقُولُ بِتَأْثِيرِ الطّالِعِ أتَمَّ بَيانٍ واللَّهُ تَعالى المُسْتَعانُ