ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ اسْتَمَرُّوا عَلى تَكْذِيبِي وأصَرُّوا عَلَيْهِ بَعْدَما دَعَوْتُهم هَذِهِ الأزْمِنَةَ المُتَطاوِلَةَ، ولَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا، وهَذا لَيْسَ بِإخْبارٍ بِالِاسْتِمْرارِ عَلى التَّكْذِيبِ؛ لِعِلْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ أعْلَمُ، ولَكِنَّهُ أرادَ إظْهارَ ما يَدْعُو عَلَيْهِمْ لِأجْلِهِ وهو تَكْذِيبُ الحَقِّ لا تَخْوِيفُهم لَهُ واسْتِخْفافُهم بِهِ في قَوْلِهِمْ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ تَلَطُّفًا في فَتْحِ بابِ الإجابَةِ، وقِيلَ: لِدَفْعِ تَوَهُّمِ الخَلْقِ فِيهِ المُتَجاوِزِ، أوِ الحِدَّةَ، وقِيلَ: إنَّهُ خَبَرٌ لَمْ يُقْصَدْ مِنهُ الإعْلامُ أصْلًا، وإنَّما أُورِدَ لِغَرَضِ التَّحَزُّنِ والتَّفَجُّعِ كَما في قَوْلِهِ:
قَوْمِي هم قَتَلُوا أُمَيْمَ أخِي فَلَئِنْ رَمَيْتُ يُصِيبُنِي سَهْمِي
ويَبْعُدُ ذَلِكَ في الجُمْلَةِ تَفْرِيعُ الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: