﴿قالَ لَهم مُوسى﴾ أيْ بَعْدَما قالَ لَهُ السَّحَرَةُ: ﴿إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾: ﴿ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ لَمْ يَرُدَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الأمْرَ بِالسِّحْرِ والتَّمْوِيهِ حَقِيقَةً؛ فَإنَّ السِّحْرَ حَرامٌ، وقَدْ يَكُونُ كُفْرًا فَلا يَلِيقُ بِالمَعْصُومِ الأمْرُ بِهِ، بَلِ الإذْنُ بِتَقْدِيمِ ما عُلِمَ بِإلْهامٍ أوْ فِراسَةٍ صادِقَةٍ أوْ قَرائِنِ الحالِ أنَّهم فاعِلُوهُ البَتَّةَ ولِذا قالَ: ( ما أنْتُمْ مُلْقُونَ ) لِيَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلى إبْطالِهِ.
وهَذا كَما يُؤْمَرُ الزِّنْدِيقُ بِتَقْرِيرِ حُجَّتِهِ لِتُرَدَّ، ولَيْسَ في ذَلِكَ الرِّضا المُمْتَنَعُ، فَإنَّهُ الرِّضا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِحْسانِ، ولَيْسَ في الإذْنِ المَذْكُورِ، ومُطْلَقُ الرِّضا غَيْرُ مُمْتَنَعٍ، ومِمّا اشْتُهِرَ مِن قَوْلِهِمُ: (الرِّضا بِالكُفْرِ كُفْرٌ) لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ كَما عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ مِنَ الفُقَهاءِ والأُصُولِيِّينَ.