﴿وأزْلَفْنا﴾ عَطْفٌ عَلى (أوْحَيْنا) وقِيلَ: عَلى مَحْذُوفٍ يَقْتَضِيهِ السِّياقُ، والتَّقْدِيرُ: فَأدْخَلْنا بَنِي إسْرائِيلَ فِيما انْفَلَقَ مِنَ البَحْرِ وأزْلَفْنا ﴿ثَمَّ﴾ أيْ: هُنالِكَ ﴿الآخَرِينَ﴾ أيْ: فِرْعَوْنَ وجُنُودَهُ، أيْ: قَرَّبْناهم مِن قَوْمِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَتّى دَخَلُوا عَلى أثَرِهِمْ مَداخِلَهُمْ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ: قَرَّبْنا بَعْضُهم مِن بَعْضٍ وجَمَعْناهم لِئَلّا يَنْجُوَ مِنهم أحَدٌ.
أخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَيْنَ النّاسِ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَيْنَ آلِ فِرْعَوْنَ، فَجَعَلَ يَقُولُ لِبَنِي إسْرائِيلَ: لِيَلْحَقْ آخِرُكم بِأوَّلِكُمْ، ويَسْتَقْبِلُ آلَ فِرْعَوْنَ فَيَقُولُ: رُوَيْدَكم لِيَلْحَقَكم آخِرُكُمْ، فَقالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ: ما رَأيْنا سائِقًا أحْسَنَ سِياقًا مِن هَذا، وقالَ آلُ فِرْعَوْنَ: ما رَأيْنا وازِعًا أحْسَنَ زِعَةً مِن هَذا.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ «وزَلَّفْنا» بِدُونِ هَمْزَةٍ، وقَرَأ أُبَيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ «وأزْلَقْنا» بِالقافِ عِوَضَ الفاءِ، أيْ: أزْلَقْنا أقْدامَهُمْ، والمَعْنى: أذْهَبْنا عِزَّهم كَقَوْلِهِ:
تَدارَكْتُما عَبْسًا وقَدْ ثَلَّ عَرْشُها وذُبْيانَ إذْ زَلَّتْ بِأقْدامِها النَّعْلُ
ويُحْتَمَلُ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ تَعالى طَرِيقَهم في البَحْرِ عَلى خِلافِ ما جَعَلَهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ يَبَسًا فَيَزْلِقَهم فِيهِ.هَذا، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: قِيلَ: مَن قَرَأ بِالقافِ أرادَ بِالآخَرِينَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، ومَن قَرَأ بِالفاءِ أرادَ بِهِمْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ – وأصْحابَهُ، أيْ: جَمَعْنا شَمْلَهم وقَرَّبْناهم بِالنَّجاةِ، ولا يَخْفى أنَّهُ يَبْعُدُ إرادَةُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأصْحابِهِ مِنَ الآخَرِينَ.