﴿وأنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿أنْ يا مُوسى﴾ والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ﴾ فَصِيحَةٌ مُفْصِحَةٌ عَنْ جُمَلٍ حُذِفَتْ تَعْوِيلًا عَلى دَلالَةِ الحالِ عَلَيْها وإشْعارًا بِغايَةِ سُرْعَةِ تَحَقُّقِ مَدْلُولاتِها أيْ فَألْقاها فَصارَتْ حَيَّةً فاهْتَزَّتْ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ وتَتَحَرَّكُ ﴿كَأنَّها جانٌّ﴾ هي حَيَّةٌ كَحْلاءُ العَيْنِ لا تُؤْذِي كَثِيرَةٌ في الدَّوْرِ، والتَّشْبِيهُ بِها بِاعْتِبارِ سُرْعَةِ حَرَكَتِها وخِفَّتِها لا في هَيْئَتِها وجُثَّتِها. فَلا يُقالُ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ألْقاها صارَتْ ثُعْبانًا عَظِيمًا فَكَيْفَ يَصِحُّ تَشْبِيهُها بِالجانِّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تَشْبِيهَها بِها في الهَيْئَةِ والجُثَّةِ ولا ضَيْرَ في ذَلِكَ لِأنَّ
صفحة 75
لَها أحْوالًا مُخْتَلِفَةً تَدِقُّ فِيها وتَغْلُظُ، وقِيلَ: الجانُّ يُطْلَقُ عَلى ما عَظُمَ مِنَ الحَيّاتِ فَيُرادُ عِنْدَ تَشْبِيهِها بِها في ذَلِكَ والأوْلى ما ذُكِرَ أوَّلًا ﴿ولّى مُدْبِرًا﴾ مُنْهَزِمًا مِنَ الخَوْفِ ﴿ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ أيْ ولَمْ يَرْجِعْ ﴿يا (مُوسى﴾ أيْ نُودِيَ أوْ قِيلَ: يا مُوسى ﴿أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ مِنَ المَخاوِفِ فَإنَّهُ لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ: