﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾ الَّذِي يَقُولُهُ، ﴿فِي المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، ومُقاتِلٌ: أرادُوا مِلَّةَ النَّصارى، والتَّوْصِيفُ بِالآخِرَةِ بِحَسَبِ الِاعْتِقادِ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ
صفحة 168
وسَلَّمَ، ومُرادُهم مِن قَوْلِهِمْ: ما سَمِعْنا إلَخْ، إنّا سَمِعْنا خِلافَهُ، وهو عَدَمُ التَّوْحِيدِ، فَإنَّ النَّصارى كانُوا يُثَلِّثُونَ ويَزْعُمُونَ أنَّهُ الدِّينُ الَّذِي جاءَ بِهِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وحاشاهُ، وعَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا، وقَتادَةَ: أرادُوا مِلَّةَ العَرَبِ ونِحْلَتَها الَّتِي أدْرَكُوا عَلَيْها آباءَهُمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في المِلَّةِ الآخِرَةِ حالًا مِنَ اسْمِ الإشارَةِ لا مُتَعَلِّقًا (بِسَمِعْنا) أيْ ما سَمِعْنا بِهَذا الَّذِي يَدْعُونا إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ كائِنًا في المِلَّةِ الَّتِي تَكُونُ آخِرَ الزَّمانِ، أرادُوا أنَّهم لَمْ يَسْمَعُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والكُهّانِ الَّذِينَ كانُوا يُحَدِّثُونَهم قَبْلَ بَعْثَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِظُهُورِ نَبِيٍّ أنَّ في دِينِهِ التَّوْحِيدَ، ولَقَدْ كَذَبُوا في ذَلِكَ، فَإنَّ حَدِيثَ: (إنَّ النَّبِيَّ المَبْعُوثَ آخِرَ الزَّمانِ يَكْسِرُ الأصْنامَ ويَدْعُو إلى تَوْحِيدِ المَلِكِ العَلّامِ)، كانَ أشْهَرَ الأُمُورِ قَبْلَ الظُّهُورِ، وإنْ أرادُوا عَلى هَذا المَعْنى: إنّا سَمِعْنا خِلافَ ذَلِكَ، فَكَذِبُهم أقْبَحُ ﴿إنْ هَذا﴾ أيْ ما هَذا.﴿إلا اخْتِلاقٌ﴾ أيِ افْتِعالٌ وافْتِراءٌ مِن غَيْرِ سَبْقِ مِثْلٍ لَهُ.